صدمة الأسمدة في مضيق هرمز.. هل تدفع العالم نحو ثورة زراعية جديدة؟

هل تكون أزمة هرمز الشرارة التي تدفع العالم أخيراً إلى إعادة التفكير في الزراعة؟ (رويترز)
تظهر السفن في مضيق هرمز بالقرب من شاطئ بندر عباس، إيران.
هل تكون أزمة هرمز الشرارة التي تدفع العالم أخيراً إلى إعادة التفكير في الزراعة؟ (رويترز)

عندما أُغلق مضيق هرمز، لم يفاجأ كثيرون بالتأثير الذي أحدثه ذلك على أسعار النفط.. لكن الصدمة كانت أكبر عندما تبيّن مدى أهمية هذا الممر المائي لتجارة سلعة أخرى لا تقل أهمية للاقتصاد العالمي: الأسمدة.

وقد يكون هذا الحدث من أقوى الحجج الداعية إلى تبني نموذج زراعي جديد يقلل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية ويعزز قدرة القطاع الزراعي على الصمود في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية والتأثيرات المتزايدة لتغير المناخ.

ويقول كليمان ميتيفييه، مدير السياسات في شبكة FAIRR الاستثمارية المعنية بمخاطر النظام الغذائي العالمي، إن نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز.

الأسمدة وإنتاج الغذاء

وأضاف أن الصراع مع إيران يمثل «اختبار ضغط ممنهجاً لنظام لا يزال يعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري»، مشيراً إلى أن الأزمة لا تقتصر على الطاقة فحسب، بل تمتد في الوقت نفسه إلى الأسمدة وإنتاج الغذاء.

كما سلّط الإغلاق الضوء على حقيقة أن إنتاج الغذاء وتصديره، مثل النفط والغاز، يتركز في عدد محدود من الدول.

وتوضح براتيما سينغ من وحدة إيكونوميست إمباكت أن 15 دولة فقط تنتج 70% من غذاء العالم، بينما تمثل 11 منها أكثر من 60% من صادرات الغذاء العالمية.

وتحذر من أن اعتماد العالم على عدد محدود من الدول والممرات التجارية يجعل النظام الغذائي العالمي أكثر هشاشة أمام الصدمات.

إغلاق المضيق في بداية موسم الزراعة

وجاء إغلاق المضيق في بداية موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، ما قد يدفع المزارعين إلى تقليل استخدام الأسمدة بسبب ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع المحاصيل وظهور أزمات غذائية لاحقاً خلال العام.

وكانت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) قد حذّرت في أبريل من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى «كارثة غذائية عالمية»، كما نبّهت إلى احتمال توجيه مزيد من الأراضي الزراعية لإنتاج الوقود الحيوي للاستفادة من ارتفاع أسعار النفط، ما قد يزيد الضغوط على إمدادات الغذاء.

الزراعة المستدامة

وتقول ديان هولدورف، نائبة الرئيس التنفيذي للمجلس العالمي للأعمال من أجل التنمية المستدامة، إن صناعة الأسمدة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، ولذلك فإن الأزمة الحالية تؤدي إلى ارتفاع حاد في التكاليف ونقص في المواد الخام اللازمة للإنتاج، وذلك في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للمزارعين.

ورغم المخاطر الحالية، ترى هولدورف أن الأزمة قد تفتح الباب أمام تحول جذري في النظام الغذائي، مشابه للتحول الذي أحدثته الطاقة المتجددة في قطاع الكهرباء.

ويشير التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة قد يجعل التحول إلى الزراعة المستدامة أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية.

وتعتمد هذه الممارسات على تقليل حرث التربة، وتناوب المحاصيل، وتعزيز التنوع الحيوي، ودمج تربية الماشية لتحسين خصوبة التربة بشكل طبيعي.

وقبل اندلاع الأزمة الحالية، كانت الزراعة المستدامة تكتسب زخماً بالفعل، إذ التزمت شركات عالمية كبرى مثل مارس وكارجيل ويونيليفر وبيبسيكو وكوكاكولا وكارلسبرغ وهاينكن بتطبيق هذه الممارسات على ملايين الأفدنة.

ومن أبرز مزاياها تقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات الكيميائية والآلات الثقيلة، إلى جانب تحسين إنتاجية المحاصيل، وتعزيز قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه، والحد من التعرية.

الزراعة المستدامة في إفريقيا

ووفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، فإن تطبيق الزراعة المستدامة في إفريقيا قد يرفع إنتاج المحاصيل بنسبة 13% بحلول عام 2040، كما يمكن أن يسهم في خفض الانبعاثات وتحويل الأراضي الزراعية إلى مخازن للكربون.

وتغطي الزراعة المستدامة حالياً نحو 15% من الأراضي الزراعية العالمية، فيما يتوقع أن ينمو سوقها العالمي بمعدل سنوي يبلغ 18.7% بين عامي 2025 و2033، بحسب شركة Grand View Research.

ورغم المزايا الكبيرة، لا تزال هناك عقبات أمام التحول إلى هذا النموذج الزراعي، أبرزها الضغوط المالية التي يواجهها المزارعون، وصعوبة تمويل الاستثمارات اللازمة للتغيير، فضلاً عن أن الفوائد الاقتصادية تستغرق وقتاً حتى تظهر، بينما تتحمل المزارع التكاليف منذ البداية.

ويرى الخبراء أن شركات الأغذية الكبرى والمؤسسات المالية والحكومات مطالبة بلعب دور أكبر في دعم هذا التحول، سواء من خلال تقاسم المخاطر مع المزارعين أو إعادة تصميم برامج الدعم الزراعي لتشجيع الممارسات المستدامة.

ويشير ميتيفييه إلى أن نحو 500 مليار دولار من الدعم الحكومي العالمي الموجّه سنوياً للقطاع الزراعي لا يزال يذهب في معظمه إلى ممارسات تضر بالبيئة، داعياً إلى إعادة توجيه هذه الموارد نحو نظم إنتاج غذائي أكثر استدامة وقدرة على الصمود.

(رويترز)