مونديال الأثرياء.. كيف حرمت أسعار التذاكر شعب المكسيك من البطولة؟

تذكرة مباراة تعادل راتب 10 أشهر.. رهان الاستضافة الفاخرة يطفئ شغف كرة القدم في شوارع المكسيك (شترستوك)
مونديال الأثرياء.. كيف حرمت أسعار التذاكر واشتراكات التلفزيون شعب المكسيك من بطولة العمر؟
تذكرة مباراة تعادل راتب 10 أشهر.. رهان الاستضافة الفاخرة يطفئ شغف كرة القدم في شوارع المكسيك (شترستوك)

تعود كأس العالم إلى المكسيك بعد غياب دام أربعة عقود، لكن الأجواء الشعبية العفوية التي ميزت البطولات السابقة غابت هذه المرة ليحل محلها شعور بالإقصاء والخذلان بين المشجعين المحليين.

ولم تعد البطولة «لعبة الفقراء» كما يتذكرها إدواردو مارين، المشجع المكسيكي الذي عاصر مونديال 1986 واعتاد السفر خلف منتخب بلاده، بل تحوّلت إلى حدث نخبوي أشبه بسباقات «فورمولا 1».

مارين الذي سافر مع أصدقائه في مونديال روسيا 2018 بحافلة ملونة بتكلفة إجمالية بلغت 5000 دولار شاملة تذاكر ثلاث مباريات، يجد نفسه اليوم ملازماً لمنزله؛ إذ إن ثمن تذكرة واحدة لمباراة المكسيك الافتتاحية أمام جنوب إفريقيا يعادل كلفة رحلته الكاملة إلى روسيا.

هذا الشعور بالاغتراب الاقتصادي يتقاسمه الملايين في المكسيك، حيث وجد المشجعون أنفسهم محرومين من دخول الملاعب بسبب الارتفاع الخيالي في أسعار التذاكر، ومجبرين على دفع اشتراكات تلفزيونية باهظة لمتابعة المباريات من المنازل، فضلاً عن قيود التراخيص الصارمة التي حدّت من قدرة المقاهي والحانات -خاصة في الأحياء الفقيرة- على عرض اللقاءات.

ولم تتوقف التوترات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل محاولات السلطات «تجميل» المدن المستضيفة لاستقبال السياح؛ إذ واجهت العاصمة انتقادات بسبب الإفراط في رسم جداريات لحيوان «الأكسولوتل» المحلي على القطارات والمباني.

بينما قامت السلطات في مقاطعة «مونتيري» ببناء أسوار حديدية عازلة على طول الطرق المؤدية إلى الاستاد والمطار لحجب الأحياء الفقيرة عن أعين الزوار الأجانب، مما دفع السكان للقول إن الحكومة تحاول إخفاءهم.

 أسعار التذاكر تعادل رواتب 10 أشهر

وما يضاعف مرارة المشجعين المكسيكيين هو التوزيع غير العادل للمباريات؛ إذ تستضيف المكسيك 13 مباراة فقط من أصل 104 مباريات في البطولة، بينما تذهب الحصة الأكبر للولايات المتحدة الأميركية. هذا الاختلال يراه ريكاردو غارسيا، أحد الرسامين المتحركين من حي «كوابا» العمالي، بمثابة «إهانة»، مؤكداً أن المكسيك هي أمة كرة القدم الحقيقية بين الدول الثلاث المستضيفة (أميركا والمكسيك وكندا).

وتستعد المكسيك لخوض مباراتها المقبلة في 18 يونيو ضد كوريا الجنوبية في مدينة غوادالاخارا.

وعلى جبهة تكاليف المشاهدة، بلغت أسعار تذاكر المباراة الافتتاحية في استاد «أزتيكا» العريق مستويات تراوحت بين 3000 و5000 دولار.

ويمثل هذا الرقم صدمة حقيقية للمجتمع المكسيكي؛ إذ يعادل نحو 10 أشهر من متوسط الرواتب في البلاد.

وفي حين دافع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عن هذه الأسعار معتبراً أنها تتماشى مع الأحداث الرياضية الكبرى، حاولت الحكومة المكسيكية تخفيف الاحتقان بالإعلان عن تنظيم شاشات عرض عامة ومجانية في مختلف أنحاء البلاد.

تراخيص «الفيفا» تلاحق المطاعم 

ولم تقتصر القيود الاقتصادية على المشجعين بل امتدت لتخنق قطاع الأعمال الصغير؛ حيث يواجه لويس بيرنوت، مدير حانة «صالون كازينو» التاريخية في العاصمة، متاهة من القيود والشروط الصارمة التي فرضتها الفيفا.

واضطر فريق الحانة لإعادة تصميم المواد الدعائية مراراً بسبب حظر الفيفا لاستخدام مصطلح «كأس العالم» أو أي صور مرتبطة بالبطولة للأغراض التجارية دون رعاية رسمية، ما دفعهم لرفع لافتة بديلة تحمل شعار «كرة القدم تُعاش وتُشرب» مع كرة مغطاة بأعلام الدول لتفادي الغرامات.

ووفقاً للمتحدث باسم شبكة «تيليفيزا»، تتراوح رسوم البث التجاري للمباريات في المطاعم والحانات بين 4000 بيزو مكسيكي (نحو 233 دولاراً) للمنشآت الصغيرة التي تضم أقل من خمس طاولات، وتصل إلى 22 ألف بيزو للمنشآت الكبرى التي تتجاوز 20 طاولة.

وأوضح المتحدث أن شركة تيليفيزا يونيفيشن تبث 32 مباراة مجاناً عبر القنوات المفتوحة، بما في ذلك جميع مباريات المكسيك والنهائي، مبرراً فرض الرسوم التجارية بأن الفيفا «رفعت تكلفة حقوق البث بشكل كبير مقارنة بالنسخ السابقة من كأس العالم».

وفي ظل تحذيرات الرابطة الوطنية للمطاعم كانيراك من فرض غرامات على من يستخدم اشتراكات شخصية للعرض العام، فضّلت مطاعم شعبية صغيرة مثل «لاس ديليسياس» عرض المسلسلات بدلاً من المباريات المشفرة لعدم قدرتها على دفع ميزانية البث التجاري، لتتبخر آمالها في انتعاش مبيعاتها أو جذب السياح بوعاء من حساء «البوزولي» التقليدي.

(رويترز)