تثير التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي مخاوف متزايدة بشأن مستقبل سوق العمل، إذ يميل سكان معظم الدول إلى الاعتقاد بأن هذه التكنولوجيا ستؤدي إلى فقدان وظائف أكثر مما ستخلق خلال العقدين المقبلين، وفق مسح دولي أجراه مركز «بيو» للأبحاث. وأظهر المسح، الذي شمل 37 دولة، أن سكان 34 دولة كانوا أكثر ميلًا إلى توقع انخفاض عدد الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي مقارنة بزيادتها خلال السنوات العشرين المقبلة. وتبرز هذه المخاوف بصورة أكبر في الاقتصادات مرتفعة الدخل، إذ يتوقع أكثر من 70% من المشاركين في أستراليا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى فقدان وظائف.
وتصدرت أستراليا وكوريا الجنوبية قائمة الدول الواردة في الإنفوغراف من حيث نسبة من يتوقعون انخفاض الوظائف، عند 76% في كل منهما، مقابل 4% و7% على التوالي ممن يتوقعون زيادة الوظائف.
وفي الولايات المتحدة، قال 71% من المشاركين إن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انخفاض عدد الوظائف خلال العقدين المقبلين، مقابل 5% توقعوا زيادة الوظائف. وارتفعت نسبة الأميركيين الذين يتوقعون فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي 7 نقاط مئوية خلال عامين.
وجاءت كندا والمملكة المتحدة وفرنسا أيضًا ضمن الدول التي غلب فيها القلق من فقدان الوظائف، إذ بلغت النسب 61% في كندا والمملكة المتحدة و60% في فرنسا، بينما توقع 6% و7% و4% على التوالي زيادة الوظائف.
وفي إسبانيا، توقع 54% من المشاركين انخفاض الوظائف مقابل 9% توقعوا زيادتها، بينما بلغت النسبة 51% في ألمانيا و49% في اليابان و48% في السويد.
مخاوف أقل في الاقتصادات النامية
تنخفض حدة هذه المخاوف في عدد من
الاقتصادات متوسطة الدخل. ففي إندونيسيا، توقع 37% انخفاض الوظائف مقابل 19% زيادة، بينما بلغت النسب 36% مقابل 29% في غانا.
وفي الهند، توقع 29% من المشاركين انخفاض الوظائف مقابل 21% زيادة، بينما كانت نيجيريا الدولة الوحيدة بين الدول الظاهرة في الإنفوغراف التي تجاوزت فيها نسبة من يتوقعون زيادة الوظائف نسبة من يتوقعون انخفاضها، بواقع 27% مقابل 26%.
وتشير بيانات «بيو» إلى أن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى فقدان الوظائف أكثر انتشارًا في الدول ذات الدخل المرتفع؛ إذ بلغ الوسيط 55% في 18 دولة مرتفعة الدخل، مقابل 36% في 18 دولة متوسطة الدخل.
ويرتبط جزء من هذا الفارق بمستوى الوعي بالذكاء الاصطناعي؛ ففي نحو نصف الدول التي شملها المسح، كان الأشخاص الذين قالوا إنهم سمعوا أو قرؤوا كثيرًا عن الذكاء الاصطناعي أكثر ميلًا إلى توقع فقدان الوظائف، بينما كان الأقل معرفة بالتكنولوجيا أكثر ميلًا إلى عدم اليقين بشأن تأثيرها.
الشباب أمام اختبار مختلف
لا يقتصر القلق على العاملين الحاليين، إذ تظهر الفروق العمرية في عدد من الدول. وكان البالغون الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا أكثر ميلًا من الأكبر سنًا إلى توقع فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي في دول مثل كندا وفرنسا وسنغافورة والسويد، وكذلك الهند وإندونيسيا وماليزيا.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت المخاوف بين الشباب بصورة ملحوظة؛ إذ قفزت نسبة الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا والذين يقولون إنهم أكثر قلقًا من كونهم متحمسين تجاه الذكاء الاصطناعي من 40% في 2024 إلى 55% في 2026.
ولا يعني ذلك أن المشاركين يتوقعون جميعًا سيناريو واحدًا لسوق العمل؛ فهناك نسب كبيرة في دول عديدة غير متأكدة من تأثير الذكاء الاصطناعي، وتصل هذه النسبة إلى نحو 40% أو أكثر في بعض الاقتصادات متوسطة الدخل.
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم سوق العمل
وتأتي هذه التوقعات في وقت يتزايد فيه
النقاش حول تأثير الذكاء الاصطناعي في طبيعة الوظائف، خصوصًا الأعمال التي تعتمد على مهام يمكن أتمتتها. وتشير نتائج «بيو» إلى أن القلق لا يتعلق فقط بعدد الوظائف، بل يمتد إلى التفاوت الاقتصادي؛ إذ يميل الناس في العديد من الدول أيضًا إلى الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
وبحسب «بيو»، فإن المخاوف من اتساع فجوة الثروة أكثر شيوعًا في الدول التي ترتفع فيها أيضًا المخاوف من فقدان الوظائف، بينما لا تتجاوز نسبة من يرون أن الذكاء الاصطناعي سيقلل التفاوت الاقتصادي 25% في أي دولة شملها المسح، وتبقى النسبة في خانة الآحاد في 29 دولة.