رغم تراجع أسعار الذهب من مستوياتها القياسية، لا يزال عدد من المستثمرين ومديري الصناديق والتنفيذيين في قطاع التعدين يراهنون على موجة صعود جديدة قد تدفع المعدن النفيس إلى تسجيل قمم غير مسبوقة خلال العامين المقبلين، مدفوعاً بمشتريات البنوك المركزية، ومخاوف الديون الحكومية، والشكوك بشأن مستقبل الدولار. لكن هذا التفاؤل طويل الأجل يأتي في وقت يواجه فيه الذهب ضغوطاً من توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية، بعد صدور بيانات تضخم أقوى من المتوقع، ما يعيد طرح سؤال مهم: هل يستعيد المعدن الأصفر زخم الصعود، أم أن ارتفاع أسعار الفائدة قد يؤجل وصوله إلى مستويات قياسية جديدة؟
هل يعود الذهب إلى 5 آلاف دولار؟
توقع مديرو صناديق ومستثمرون في قطاع التعدين أن يسجل الذهب مستويات قياسية جديدة خلال فترة تتراوح بين 12 و24 شهراً، وفق تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» عن ندوة المعادن الثمينة التي نظمتها الصحيفة يوم الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول.
وقالت شارلوت يونغ، مديرة المحافظ لدى «تروي أسيت مانجمنت»، إنها تتوقع أن يصل الذهب إلى قمة قياسية جديدة خلال 12 إلى 18 شهراً، معتبرة أن المعدن يوفر وسيلة للتحوط من تدهور الأوضاع المالية للحكومات، خصوصاً مع ارتفاع الدين الأميركي.
وترى يونغ أن أي ركود اقتصادي مقبل قد يدفع البنوك المركزية إلى توسيع المعروض النقدي مجدداً، وهو ما يعزز
جاذبية الذهب، الذي لا يمكن زيادة معروضه بالطريقة نفسها التي يمكن بها إصدار العملات.
من جانبه، توقع بول كارن، من شركة «إيه أو إن إنفستمنتس»، تسجيل الذهب مستويات قياسية جديدة خلال عامين، مشيراً إلى أن استخدام الدولار أداةً جيوسياسية قد يدفع بعض الدول إلى تنويع احتياطياتها والبحث عن بدائل، من بينها الذهب.
أما بيتر مارون، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «ألايد غولد»، فدعا المستثمرين إلى التفكير في مدى استعداد محافظهم الاستثمارية لاحتمال حدوث أزمة مالية، مشيراً إلى توجه بعض المكاتب العائلية إلى زيادة مخصصاتها من الذهب وتنويع استثماراتها بعيداً عن السندات الحكومية.
وتظل هذه التوقعات آراء لمشاركين في السوق، وليست أهدافاً سعرية مضمونة أو توقعات رسمية ملزمة.
من 5,500 دولار إلى 4,000 دولار.. ما الذي حدث؟
سجل الذهب مستوى قياسياً تجاوز 5,500 دولار للأونصة في يناير/كانون الثاني 2026، قبل أن يتراجع لاحقاً مع تغير توقعات السياسة النقدية والظروف الاقتصادية.
وفي أحدث موجة هبوط، انخفض سعر الذهب الفوري بنحو 2% يوم الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول إلى قرابة 4,075 دولاراً للأونصة، بعد بيانات تضخم أميركية أقوى من المتوقع عززت رهانات المستثمرين على احتمال رفع أسعار الفائدة.
ثم تعافت الأسعار في جلسة الخميس، قبل أن تبلغ نحو 4,165 دولاراً للأونصة في المعاملات الفورية بحلول رصد رويترز يوم الجمعة 16 أكتوبر/تشرين الأول، بينما أغلقت العقود الأميركية الآجلة تسليم ديسمبر/كانون الأول عند 4,181.10 دولار.
وبذلك، ظل الذهب أقل بنحو 24% من ذروته التي تجاوزت 5,500 دولار. وتحتاج الأسعار إلى الارتفاع بنحو 20% من مستوى 4,165 دولاراً لتصل إلى 5,000 دولار، وبنحو 32% لتتجاوز 5,500 دولار مجدداً.
وهنا يظهر فارق مهم، فبلوغ الذهب 5,000 دولار يعني استعادة مستوى سعري مرتفع، لكنه لا يمثل رقماً قياسياً جديداً إذا ظلت القمة السابقة فوق 5,500 دولار.
البنوك المركزية تواصل تعزيز احتياطيات الذهب
تدعم مشتريات البنوك المركزية النظرة الإيجابية للذهب على المدى الطويل، إذ تشير بيانات نقلتها «فاينانشال تايمز» عن مجلس الذهب العالمي إلى أن مشتريات البنوك المركزية بلغت نحو 63 طناً في سبتمبر/أيلول، وهو أعلى إجمالي شهري منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وفق التقديرات الأولية الواردة في التقرير.
وكانت البنوك المركزية قد اشترت صافياً 39 طناً في أغسطس/آب، ليرتفع إجمالي المشتريات المعلنة منذ بداية العام وحتى نهاية ذلك الشهر إلى نحو 170 طناً، بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي المنشورة في أكتوبر.
وتبرز الصين بين المشترين النشطين؛ إذ أعلن بنك الشعب الصيني إضافة نحو 23 طناً إلى احتياطياته في سبتمبر، وهي أكبر زيادة شهرية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وارتفعت حيازاته إلى نحو 2,410 أطنان، بما يعادل 8.5% من إجمالي احتياطياته.
واستمرت الصين في زيادة حيازاتها من الذهب للشهر الثالث والعشرين على التوالي، في مؤشر على استمرار توجهها نحو تنويع الاحتياطيات، رغم تقلبات الأسعار.
لكن الطلب الرسمي ليس في اتجاه واحد دائماً. فقد أشارت سوكي كوبر، رئيسة أبحاث السلع لدى «ستاندرد تشارترد»، إلى أن بعض المؤسسات الرسمية باعت الذهب خلال العام لتوفير السيولة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. ويعني ذلك أن مشتريات البنوك المركزية تظل عاملاً داعماً، لكنها لا تضمن ارتفاع الأسعار بصورة متواصلة.
هل يمثل مستوى 4,000 دولار أرضية للذهب؟
يرى إيان كوكريل، الرئيس التنفيذي لشركة «إنديفور ماينينغ»، أن السوق قد تكون قريبة من قاع سعري يسبق موجة صعود جديدة، لكنه لم يجزم بأن مستوى 4,000 دولار للأونصة يمثل الحد الأدنى للأسعار.
وتستند هذه النظرة إلى عوامل تشمل استمرار عدم اليقين الاقتصادي، وتراجع الثقة في العملات الورقية لدى بعض المستثمرين، وسعي البنوك المركزية إلى حماية قيمة احتياطياتها.
غير أن مستوى 4,000 دولار يظل تقديراً طرحه أحد التنفيذيين في القطاع، وليس مستوى دعم مضموناً. فقد تتراجع الأسعار دونه إذا ارتفعت عوائد السندات الأميركية أو تعزز الدولار أو زادت توقعات رفع الفائدة.
الفائدة الأميركية.. الاختبار الأصعب أمام الذهب
يمثل مسار أسعار الفائدة الأميركية أحد أهم العوامل التي قد تحدد اتجاه الذهب خلال الأشهر المقبلة. فعلى الرغم من أن المعدن النفيس يُستخدم عادة للتحوط من التضخم، فإن ارتفاع الفائدة يزيد جاذبية الأصول المدرة للعائد، مثل السندات، مقارنة بالذهب الذي لا يدر عائداً لحائزيه.
وأظهرت بيانات سبتمبر/أيلول ارتفاع أسعار المستهلكين والمنتجين في الولايات المتحدة بأكثر من المتوقع، ما عزز المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية.
وفي المقابل، لم يقدم
رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش إشارات واضحة بشأن المسار المقبل للفائدة، بينما أظهرت تسعيرات الأسواق يوم الجمعة توقعات واسعة النطاق بتثبيت الفائدة في اجتماع أكتوبر/تشرين الأول، مع احتمال مرتفع لرفعها في ديسمبر/كانون الأول.
وهكذا، يواجه الذهب معادلة متعارضة (مشتريات رسمية ومخاوف مالية وجيوسياسية قد تدعم الطلب عليه على المدى الطويل، مقابل فائدة مرتفعة قد تضغط على أسعاره في الأجل القصير).
قمم جديدة ممكنة وليست مضمونة
تستند التوقعات المتفائلة للذهب إلى ثلاثة عوامل رئيسية: استمرار شراء البنوك المركزية، وتصاعد المخاوف بشأن الديون الحكومية، وسعي بعض المستثمرين والدول إلى تنويع أصولهم بعيداً عن الدولار.
لكن عودة المعدن إلى قمم قياسية جديدة ستتوقف على كيفية تفاعل هذه العوامل مع مسار الفائدة الأميركية، وقوة الدولار، واتجاه عوائد السندات.
وبينما يرى بعض المستثمرين فرصة لتسجيل مستويات غير مسبوقة خلال عامين، فإن التراجع الأخير يوضح أن الطريق إلى تلك القمم قد يكون متقلباً، وأن التوقعات طويلة الأجل لا تلغي مخاطر الهبوط في الأجل القصير.