على نغمات أنشودة «والله ما طلعت شمس ولا غَرُبت، إلا وحبّك مقرون بأنفاسي» وقفت سيدتان في أحد محلات الحلوى الكبيرة في منطقة «باب البحر» بوسط القاهرة تتناقشان حول أصناف حلوى المولد التي ستحضرها كل منهما لأطفالها في المنزل.

منى عبدالسلام ومنال عزت زميلتا عمل قررتا المجيء إلى تلك المنطقة الشعبية الشهيرة بتصنيع وبيع «حلوى المولد»، لشراء الحلوى متخلّيتين عن محلات الحلوى الفاخرة وقالتا «هذا المصنع يمتاز بجودة المنتجات، بالفعل تستخدم المحلات الفاخرة خامات أفضل، ويستطيع البعض الشراء منها بأسعار مرتفعة، لكن هنا نجد أفضل الأسعار بالنسبة لنا، الأسعار هنا أقل بكثير».

بدأت CNN الاقتصادية حديثها معهما بسؤالهما عما إذا كانا قد اشترتا الكميات نفسها العام الماضي، وجاءت الإجابة سريعة وحاسمة «بالطبع لا، النصف فقط!» والسبب تضاعف الأسعار، وقالت إحداهما «بسبب غلاء أسعار مكونات الحلوى، اضطرت المحلات إلى زيادة الأسعار، لذا أصبحنا نشتري كيلو غراماً واحداً بدلاً من اثنين، لأن أسعار هذا العام تصل إلى ضعف أسعار العام الماضي»

تقليد يعود لألف عام

منذ أكثر من ألف عام، بدأ الفاطميون، خلال فترة حكمهم لمصر، عادة تصنيع وتوزيع الحلوى في ذكرى المولد النبوي من كل عام، وكانت أبرز أشكال الحلوى هي العروسة والحصان، واحتفظ المصريون بتلك الظاهرة حتى اليوم.

لم يتمكن غلاء الأسعار هذا العام من تثبيط عزيمة المصريين للتمسك بمظاهر احتفالهم بالمولد النبوي والذهاب إلى باب البحر «سعياً على الوجه، أو مشياً على الرأس» كما تقول كلمات الأنشودة الشهيرة.

قالت منى «لا أستطيع عدم شراء الحلوى، إذ إنها عادات وتقاليد توارثناها، أولادنا ينتظرون منا أن نشتري لهم الحلوى، ويُفضلون أنواعاً معينة، لا أستطيع التوقف عن تلك العادة، حتى لو وصل سعر الكيلو الواحد إلى مئتي جنيه، سأشتري ربع كيلو فقط حينها».

ولكن لحربي محمد رأي آخر، فمنذ اثني عشر عاماً بدأ حربي بيع حلوى المولد كل عام، إذ يطلب الحلوى المميزة من كل مصنع ويقدمها للزبائن في المنطقة التي تقع في وسط القاهرة، قال حربي إن عدد الزبائن انخفض بنسبة لا تقل عن 70 في المئة مقارنة بالأعوام السابقة، وإن العشرات يأتون إليه ليشتروا الحلوى، ولكن يغادرون فور معرفتهم الأسعار”.

لا يقل سعر كيلو الحلوى في «باب البحر» عن 85 جنيهاً، أي 2.75 دولار أميركي، وقد يصل إلى مئات الجنيهات في أماكن أخرى.

وكان المجلس القومي للأجور قد رفع الحد الأدنى لأجور العاملين بالقطاع الخاص من 2700 إلى 3000 جنيه (97 دولاراً أميركياً تقريباً) بدءاً من يوليو تموز.

وفي منتصف سبتمبر أيلول، وجّه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى رفع الحد الأدنى للأجور في مصر إلى 4000 جنيه (ما يعادل 129 دولاراً أميركياً)، مع رفع حد الإعفاء الضريبي بنسبة 25 في المئة.

تقع مصر تحت وطأة انخفاض قيمة العملة إلى أدنى مستوي لها في تاريخ البلاد، ما أدى لارتفاع معدلات التضخم بشكل قياسي، إذ وصل معدل التضخم في أغسطس آب الماضي إلى 37.4 في المئة، مرتفعاً من 14.6 في المئة العام الماضي. وارتفع سعر كيلو السكر من 13 جنيهاً في سبتمبر أيلول العام الماضي إلى ما بين 28 إلى 35 جنيهاً اليوم، كما ارتفعت أسعار المكسرات بشكل كبير، حتى وصل القرص الواحد من حلوى «الفستقية» إلى 70 جنيهاً بعد أن كان سعره يتراوح بين 35 إلى 40 جنيهاً العام الماضي.

يقول حربي «تجاوز السعر الحالي لبعض المنتجات ضعف سعرها العام الماضي»، وأضاف «يقطع المشترون هذا الشارع ذهاباً وإياباً للوصول إلى أرخص الأسعار حتى يستطيعوا الشراء بقدر الأموال التي يحملونها، حتى إن بعض الزبائن الذين اعتادوا ارتياد متجري منذ أكثر من عشر سنوات سألوا عن الأسعار ومضوا دون أن يشتروا شيئاً».