تخمة في الأفق.. سوق النفط من أزمة إمدادات إلى فائض في 2027

أسعار النفط تراقب مصير المحادثات الأميركية الإيرانية (شترستوك)
خام برنت قرب 95 دولاراً مع تعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية
أسعار النفط تراقب مصير المحادثات الأميركية الإيرانية (شترستوك)

في الوقت الذي لا تزال فيه أسواق الطاقة العالمية تراقب تطورات مضيق هرمز وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل في سوق النفط العالمية؛ مرحلة قد تختلف جذرياً عن المشهد الحالي القائم على نقص الإمدادات واضطراب التدفقات التجارية، حيث لا تزال الأزمة الجيوسياسية تلقي بظلالها على الإنتاج والتجارة والأسعار.

وتشير التقديرات إلى أن العالم قد يواجه خلال عام 2027 واحدة من أكبر موجات فائض المعروض النفطي خلال سنوات.

وتقول شركة ريستاد إنرجي لتحليلات الطاقة إن رؤيتها لسوق النفط العالمي عام 2026 أصبحت أكثر توازناً مقارنة بالتقديرات السابقة، بعد خفض كبير لتوقعات الطلب مقابل تعديلات محدودة نسبياً على جانب الإمدادات، حيث من المتوقع أن يسجل السوق فائضاً متوسطه 600 ألف برميل يومياً خلال عام 2026، في تحول كبير مقارنة بتوقعات الشهر الماضي التي رجّحت عجزاً قدره 585 ألف برميل يومياً.

وتشير تقديرات ريستاد إنرجي إلى أن الأسواق ستعود إلى تسجيل فوائض في المعروض بدءا من يوليو 2026، بعد أشهر من الاضطرابات الحادة التي صاحبت الحرب وإغلاق مضيق هرمز، ويأتي هذا التحول مدفوعاً أساساً بتراجع الطلب العالمي على النفط الخام والمنتجات النفطية، خصوصاً في آسيا والشرق الأوسط وروسيا، حيث أجبرت الأسعار المرتفعة والمشكلات اللوجستية المصافي على خفض معدلات التشغيل بصورة ملموسة.

الطلب يتراجع تحت ضغط الأسعار

وترى ريستاد إنرجي أن العامل الأكثر تأثيراً في التغيرات الأخيرة يتمثل في خفض توقعات تشغيل المصافي خلال الأشهر المقبلة؛ فقد جرى تقليص التقديرات بملايين البراميل يومياً خلال الفترة الممتدة من مايو إلى يوليو، مع تصدر آسيا قائمة المناطق الأكثر تأثراً.

وخفّضت الشركة تحليلات الطاقة، وتوقعاتها للطلب العالمي على النفط الخام خلال 2026 إلى نحو 82.5 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ83.9 مليون برميل يومياً في التقديرات السابقة، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي خلفته الحرب وارتفاع الأسعار على النشاط الاقتصادي والقطاع الصناعي في العديد من المناطق.

وفي آسيا، أدت أسعار النفط المرتفعة إلى تدمير جزء من الطلب المحلي، في وقت تواجه فيه المصافي قيوداً على تصدير المنتجات النفطية. أما في الشرق الأوسط، فإن استمرار القيود المرتبطة بمضيق هرمز جعل تصدير المنتجات المكررة أكثر صعوبة، بينما تواجه روسيا ضغوطاً متزايدة نتيجة الهجمات التي استهدفت المصافي والبنية التحتية الخاصة بالتصدير.

الشرق الأوسط يقود تراجع الإنتاج

وعلى جانب الإمدادات، لا تزال الحرب تلقي بثقلها على الإنتاج النفطي العالمي، إذ تتوقع ريستاد إنرجي أن يبلغ متوسط إمدادات النفط الخام والمكثفات خلال عام 2026 نحو 83.1 مليون برميل يومياً، بانخفاض سنوي يقارب 1.6 مليون برميل يوميا، حيث يأتي الجزء الأكبر من هذا التراجع من دول الشرق الأوسط، التي تأثرت بدرجات متفاوتة بتداعيات الحرب وتعطل مسارات التصدير التقليدية.

أنماط تجارة جديدة تعيد رسم خريطة السوق

وتكشف بيانات ريستاد إنرجي عن تغيرات جوهرية في تدفقات النفط العالمية منذ اندلاع الأزمة، فقد تراجعت صادرات الشرق الأوسط بصورة حادة خلال الربع الثاني من 2026، في حين سارعت دول أخرى إلى سد جزء من الفجوة، بينما ارتفعت صادرات الولايات المتحدة إلى الأسواق الآسيوية بصورة ملحوظة، وزادت البرازيل وفنزويلا شحناتهما إلى الهند وسنغافورة، كما استفادت الصين من امتلاكها مخزونات ضخمة من النفط الخام، ما منحها قدرة أكبر على التعامل مع اضطرابات الإمدادات مقارنة بكثير من الاقتصادات الآسيوية الأخرى.

أما أوروبا، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى زيادة واردات النفط الخام لتعويض انخفاض واردات المنتجات المكررة القادمة من الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، ارتفعت مشتريات الخام من منتجين مثل كازاخستان والنرويج، بينما رفعت المصافي الأوروبية معدلات التشغيل وأجلت بعض أعمال الصيانة للحفاظ على أمن الإمدادات.

أسعار مرتفعة اليوم.. وضغوط هبوطية غدا

وعلى صعيد الأسعار، خفضت ريستاد إنرجي توقعاتها لخام برنت خلال الربعين الثاني والثالث من 2026 إلى نحو 108 و109 دولارات للبرميل على التوالي، مقارنة مع 116 دولاراً في تقديراتها السابقة، حيث جاء هذا التعديل بعد تصاعد التوقعات بإمكانية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، إلّا أن أسعار النفط لا تزال مدعومة باستمرار الاضطرابات ومحدودية البدائل المتاحة لتعويض الإمدادات المفقودة من المنطقة.

وتقول ريستاد إنرجي إن الصورة تختلف جذرياً عند النظر إلى عام 2027، حيث من المتوقع أن يسجل السوق فائضاً ضخماً يبلغ في المتوسط خمسة ملايين برميل يومياً، مدفوعاً بعودة إنتاج الشرق الأوسط إلى مستويات ما قبل الحرب واستمرار نمو الإنتاج في الولايات المتحدة والبرازيل ودول أخرى، وهذا الفائض قد يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في أسعار النفط الخام والمنتجات المكررة، كما سيدفع الحكومات والشركات إلى إعادة بناء المخزونات التجارية والاستراتيجية التي استنزفت خلال الأزمة.