أسعار الغاز المسال تجبر آسيا على إعادة رسم خريطة الاستهلاك

القوة القاهرة تهدد عقود الغاز الطبيعي المسال وسط ندرة المعروض (أ ف ب)
القوة القاهرة تهدد عقود الغاز الطبيعي المسال وسط ندرة المعروض
القوة القاهرة تهدد عقود الغاز الطبيعي المسال وسط ندرة المعروض (أ ف ب)

لم تعد أزمة الغاز الطبيعي المسال مجرد موجة ارتفاع مؤقتة في الأسعار، بل تحولت إلى نقطة تحول تعيد تشكيل أنماط استهلاك الطاقة في آسيا، بعدما أدى تشدد أوضاع الإمدادات العالمية إلى تأجيل عودة السوق إلى التوازن، وفرض على أكبر المشترين إعادة النظر في سياسات الاستيراد ومزيج الوقود وخطط أمن الطاقة.

إذ تشير تقديرات محللي قطاع الطاقة إلى أن سوق الغاز المسال العالمية دخلت بالفعل مرحلة عجز قد تمتد حتى عام 2029 نتيجة حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما يعني استمرار الأسعار الفورية فوق مستوى 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لسنوات متتالية، في بيئة سعرية مرشحة لإضعاف الطلب، خصوصاً في الأسواق الناشئة التي تعتمد بدرجة كبيرة على الشحنات الفورية.

ويقول كاوشال راميش، الباحث في أسواق الغاز الطبيعي المسال والطاقة لدى شركة ريستاد إنرجي، لـ«CNN الاقتصادية»، إن حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز أدّيا إلى تأجيل عودة سوق الغاز الطبيعي المسال إلى التوازن لمدة عامين إضافيين مقارنة بالتوقعات السابقة، حيث إن استمرار الأسعار المرتفعة سيؤدي إلى تراجع تدريجي في الطلب العالمي، بينما سيكون التأثير الهيكلي الأكبر في الصين، أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في آسيا.

آسيا تسجل ثاني انخفاض سنوي على التوالي

وتتفق هذه الرؤية مع تقرير صادر عن شركة وود ماكنزي، الذي يتوقع انخفاض الطلب على الغاز الطبيعي المسال في منطقة آسيا والمحيط الهادئ للعام الثاني على التوالي، ليصل إلى 257 مليون طن خلال عام 2026، مقارنة بـ268 مليون طن عام 2025، وبعدما بلغ ذروته عند 278 مليون طن عام 2024.

ويرجع التقرير هذا التراجع إلى ارتفاع الأسعار الفورية، وتعطل جزء من الإمدادات القطرية، وتسارع التحول نحو أنواع وقود بديلة، إلى جانب اتجاه الحكومات إلى تنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد على الإمدادات العابرة لمضيق هرمز.

وتستحوذ آسيا على نحو 90% من شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر والإمارات، ما يجعلها الأكثر تأثراً بأي اضطرابات في الخليج، إلّا أن حجم التأثير يختلف بين دولة وأخرى وفقاً لطبيعة العقود طويلة الأجل، وحجم الاعتماد على السوق الفورية، وقدرة كل دولة على التحول إلى بدائل للطاقة.

الصين تقود التراجع في الطلب

وتتوقع وود ماكنزي انخفاض واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال إلى 62.4 مليون طن خلال عام 2026، مقارنة بـ66.4 مليون طن في العام السابق، في ظل تباطؤ الطلب المحلي وامتلاك البلاد أكبر احتياطي من المخزونات وأكثر محافظ الإمدادات تنوعاً بين كبار المشترين في آسيا.

كما سينخفض معدل استخدام محطات إعادة التغويز إلى نحو 29% فقط من طاقتها التصميمية، وهو ما يعكس الضغوط التي يواجهها الطلب في ثاني أكبر سوق للغاز الطبيعي المسال عالمياً.

ويرى راميش أن الصين ستكون صاحبة أكبر تراجع هيكلي في الطلب خلال السنوات المقبلة، مع استمرار الأسعار المرتفعة وتوسعها في تنويع مصادر الطاقة.

العقود طويلة الأجل تحمي اليابان.. وكوريا تواجه اختباراً صعباً

وفي اليابان، توفر العقود طويلة الأجل حماية نسبية من تقلبات السوق، إذ تغطي أكثر من 90% من احتياجات البلاد خلال عام 2026، ما يحد من تأثير اضطرابات الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.

أما كوريا الجنوبية، فتواجه وضعاً أكثر تعقيداً، بعدما تعرض أحد خطوط إنتاج الغاز الطبيعي المسال المرتبطة بعقودها في منشأة رأس لفان القطرية لأضرار، وهو ما قد يؤثر في الإمدادات لعدة سنوات، بالتزامن مع اعتماد يتجاوز 20% على السوق الفورية، الأمر الذي يزيد الضغوط على تكاليف الاستيراد.

وفي المقابل، تمكنت تايوان من تعويض جانب كبير من النقص في الإمدادات القطرية عبر زيادة الواردات الأميركية وشراء شحنات فورية، بما يسمح بتغطية أكثر من ثلاثة أرباع أي نقص محتمل في الإمدادات.

جنوب آسيا.. الأسعار تفرض ترشيد الاستهلاك

ويشير تقرير وود ماكنزي إلى أن جنوب آسيا يواجه الضغوط الأكبر نتيجة ارتفاع الأسعار، إذ دفعت تكلفة الغاز الطبيعي المسال العديد من الدول إلى خفض الاستهلاك والاعتماد بصورة أكبر على أنواع وقود بديلة.

وفي الهند، تعرضت واردات الغاز الطبيعي المسال لضغوط كبيرة، ما دفع السلطات إلى توجيه الإمدادات نحو القطاعات الحيوية، في حين لجأت الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى استخدام البروبان وزيت الوقود والنافثا بدلاً من الغاز.

لكن التقرير يحذّر من أن هذا التحول لا يلغي مخاطر أمن الطاقة، لأن الهند تعتمد أيضاً على مضيق هرمز في استيراد ما بين 80 و85% من احتياجاتها من غاز البترول المسال، ما يعني انتقال المخاطر من مصدر طاقة إلى آخر.

كما عادت باكستان إلى سوق الشحنات الفورية بعد انقطاع دام عامين، في محاولة لتأمين احتياجاتها من الغاز، بينما أظهرت بنغلاديش قدرة أكبر على مواصلة شراء الشحنات الفورية رغم الأسعار المرتفعة.

جنوب شرق آسيا يواصل النمو رغم الأزمة

وعلى النقيض من شمال وجنوب آسيا، تتوقع وود ماكنزي استمرار النمو الهيكلي في الطلب داخل دول جنوب شرق آسيا، ليرتفع من 27 مليون طن عام 2025 إلى 31 مليون طن عام 2026، ثم إلى 39 مليون طن بحلول عام 2028.

ويقود هذا النمو ارتفاع الطلب على الكهرباء، والتوسع في مراكز البيانات، وإحلال الغاز الطبيعي المسال محل الفحم والديزل ضمن خطط إزالة الكربون.

وفي المقابل، تبقى تايلاند الأكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار الفورية بسبب اعتمادها الكبير على السوق الفورية، في حين تواصل فيتنام بناء سوقها للغاز الطبيعي المسال مع بدء تشغيل أولى محطات الكهرباء العاملة بالغاز وتوقيع عقود استيراد طويلة الأجل.

التعافي مرهون بالإمدادات الجديدة

ورغم التراجع المتوقع خلال العام الحالي، تشير تقديرات وود ماكنزي إلى أن الطلب في منطقة آسيا والمحيط الهادئ سيعاود النمو بدءاً من عام 2027، ليصل إلى 279 مليون طن، قبل أن يرتفع إلى 297 مليون طن عام 2028، مدعوماً بدخول طاقات جديدة لإعادة التغويز، وتحسن أوضاع الإمدادات، واستئناف النمو في اقتصادات جنوب وجنوب شرق آسيا.

لكن التقرير يؤكد أن هذا السيناريو يظل مرهوناً بعودة الاستقرار إلى أسواق الطاقة، وانحسار اضطرابات الشرق الأوسط، ودخول إمدادات جديدة إلى السوق العالمية، بما يسمح بخفض الأسعار الفورية وإعادة التوازن بين العرض والطلب.

بينما يرى راميش أن مرحلة وفرة الغاز الطبيعي المسال انتهت مؤقتاً، وحلّت محلها سوق أكثر تشدداً، تدفع المشترين إلى إعادة صياغة استراتيجياتهم، وتسريع التحول إلى مصادر طاقة بديلة، في تحول قد يعيد رسم خريطة تجارة الغاز العالمية خلال السنوات المقبلة.