لم تعد اضطرابات مضيق هرمز أزمة في حركة شحن النفط فحسب، بل بدأت تعيد تشكيل سوق التخزين نفسه، بعدما تحوّلت البراميل التي تعجز عن استكمال رحلتها إلى مخزونات عائمة، ودفعت المخاوف من استمرار الاضطرابات المنتجين والمصافي والمستوردين إلى الاحتفاظ بكميات أكبر من المعتاد.
ويقول ديفيد جوربناز، رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في شركة ICIS، إن الطلب على تخزين النفط ارتفع بشكل كبير ومن خلال عدة قنوات في الوقت نفسه، مع تراكم الخام والمنتجات التي لم تتمكن من الوصول إلى وجهاتها، بالتوازي مع زيادة التخزين الاحترازي.
وأضاف جوربناز، أن تخزين لم يعد مجرد وظيفة لوجستية تكمّل عملية نقل النفط، وإنما أصبح أداة لإدارة المخاطر والتحوط من اضطرابات الإمدادات، في وقت أسهم فيه اتساع منحنى الأسعار المستقبلية في تحويل تخزين البراميل إلى فرصة تجارية أيضاً.
عندما يؤدي اختناق أحد الممرات البحرية إلى تقييد التدفقات، لا يتوقف إنتاج الخام والمنتجات النفطية في المنبع بالضرورة، بل تتراكم الكميات التي لا تستطيع مواصلة رحلتها.
ويصف رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في شركة ICIS، هذه العملية بأنها تحول شبه مباشر من الطلب على النقل إلى الطلب على التخزين، إذ تحتاج البراميل العالقة إلى مكان تستقر فيه إلى حين عودة مسارات التجارة إلى العمل.
ويقول جوربناز إن الزيادة في الطلب لا تأتي من البراميل العالقة وحدها، «فالمصافي والمستوردون الذين يخشون اضطرابات مستقبلية يحتفظون بغطاء أكبر من المخزون، بينما يلجأ المنتجون الذين لا يستطيعون الوصول إلى المشترين إلى التخزين بدلاً من خفض الإنتاج، حيث يضاف إلى ذلك المتعاملون في المراجحة، عندما تصبح الأسعار المستقبلية أعلى من الأسعار الفورية بما يكفي لتبرير الاحتفاظ بالنفط وبيعه في وقت لاحق».
أحد أبرز التغيرات التشغيلية التي أحدثتها الأزمة هو الاستخدام المتزايد للناقلات كمخازن عائمة، حيث يقول جوربناز، إن ناقلات تمثل أصلاً هجيناً يجمع بين طاقة النقل والتخزين في الوقت نفسه، وعندما يُغلق أحد المسارات، قد تجد السفن التي كان يفترض أن تنقل الشحنات نفسها محملة بالخام، لكنها تنتظر العبور أو التأمين أو المشترين، «لكنّ هناك نوعاً آخر أكثر ارتباطاً بالأسواق المالية والتجارية، إذ يمكن للمتعاملين استئجار ناقلة عمداً وملؤها بالنفط والاحتفاظ به، إذا كان فارق الأسعار بين السوق الفورية والعقود المستقبلية كافياً لتحقيق عائد».
لا يتوقف أثر استخدام الناقلات للتخزين عند سوق النفط، حيث عندما تبقى الناقلة محملة بالنفط بدلاً من مواصلة رحلتها، فإنها تخرج مؤقتاً من أسطول النقل المتاح، ما يقلص عدد السفن القادرة على تحميل شحنات جديدة.
ويقول رئيس قسم الاستشارات العالمية وتحليلات النفط والطاقة في شركة ICIS، إن هذا يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار التأجير، ويضيف طبقة جديدة من التقلب إلى اقتصاديات الشحن، خصوصاً عندما يتزامن ارتفاع الطلب على التخزين العائم مع تراجع توافر السفن، «وبالتالي، يمكن للأزمة أن ترفع تكلفة النفط من أكثر من قناة؛ اضطراب الإمدادات، وارتفاع علاوة المخاطر، وارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة تكلفة الاحتفاظ بالمخزون».
ويشير جوربناز، إلى أن الطلب على تخزين شحنات النفط ارتفع بشكل حاد عندما اشتدت القيود على المضيق، ثم تراجع مع تصريف الشحنات العالقة خلال فترات خفض التصعيد، قبل أن يرتفع مجدداً مع عودة التوتر، وهذا يعني أن الطلب على التخزين العائم أصبح مؤشراً تشغيلياً على حالة سوق النفط، وليس مجرد نتيجة ثانوية لاضطرابات النقل.
وبحسب جوربناز، فإن تحديد الحجم الفعلي للبراميل المخزنة عائماً يحتاج إلى تتبع سلاسل بيانات التخزين ومقارنتها زمنياً بتطورات الصراع، نظراً إلى أن العلاقة بين الاثنين شديدة الارتباط.
مع تعطل المسارات الرئيسية، تستفيد مراكز التخزين الواقعة بالقرب من نقاط الاختناق ولكن خارجها مباشرة.
وتأتي الفجيرة في الإمارات في مقدمة هذه المراكز، باعتبارها نقطة تجميع طبيعية لشحنات الخليج التي تبحث عن مسار للخروج بعيداً عن المضيق.
كما تستفيد مراكز التخزين في آسيا، خصوصاً سنغافورة ومنطقة ملقا، مع تجمع الشحنات التي لا تملك وجهة محددة وازدياد عمليات النقل من سفينة إلى أخرى.
ويمتد أثر الطلب إلى مرافق التخزين الاستراتيجية والتجارية في اليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى مراكز في أوروبا، التي تضم أمستردام وروتردام وأنتويرب.
وتزداد قيمة التخزين الخارجي أيضاً، إذ يمكن للمنتجين وضع البراميل مسبقاً بالقرب من العملاء بدلاً من الاعتماد على مسار مباشر أصبح أكثر عرضة للاضطرابات.
رغم أن جزءاً كبيراً من الزيادة الحالية في التخزين مرتبط مباشرة بالأزمة، فإن تأثيرها قد يستمر بعد عودة حركة التجارة إلى طبيعتها.
ويقول جوربناز إن الارتفاع الحاد الحالي سينحسر عندما تعود المسارات إلى العمل، لأن جزءاً كبيراً من التخزين العائم غير طوعي، وسيتم تفريغه بمجرد أن يصبح بالإمكان تحريك البراميل.
لكن الأزمة، في المقابل، تكشف عن تحول هيكلي في طريقة إدارة مخاطر الإمدادات، فالاعتماد على مسار واحد أصبح يُنظر إليه باعتباره نقطة ضعف، بينما يمثل التخزين إحدى أدوات التحوط في مواجهة هذه المخاطر. ولذلك قد يدفع تكرار اضطرابات سلاسل الإمداد الحكومات والشركات إلى الاحتفاظ بمخزونات احتياطية أكبر، وتنويع نقاط التجميع، وزيادة التغطية الاحترازية.