نتيجة عكسية.. لماذا لن تستفيد واشنطن من حظر تصدير الديزل؟

حظر الديزل الأميركي يهدد برفع أسعار الوقود عالمياً (أ ف ب)
حظر الديزل الأميركي يهدد برفع أسعار الوقود عالمياً
حظر الديزل الأميركي يهدد برفع أسعار الوقود عالمياً (أ ف ب)

تواجه الولايات المتحدة الأميركية معادلة صعبة في سوق الديزل، فبينما تتزايد الضغوط لوقف صادراته بهدف خفض الأسعار محلياً، تحذّر شركة وود ماكنزي من أن الحظر قد يأتي بنتيجة عكسية، عبر تراكم المخزونات الأميركية سريعاً، وإجبار المصافي على خفض معالجة الخام.

وتقول وود ماكنزي إن قرار الولايات المتحدة الأميركية بحظر تصدير الديزل لا يتوقف أثره عند السوق الأميركية، إذ سيؤدي حظر صادرات الديزل إلى سحب أكبر من مخزونات المنتجات حول العالم، في سوق تعاني بالفعل نقصاً في الإمدادات بعد اضطرابات الشرق الأوسط، وتوقف صادرات الديزل الروسية، وارتفاع معدلات تشغيل المصافي في أوروبا.

وفي 22 سبتمبر 2026، أيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فكرة فرض قيود على صادرات الديزل، لكنّ مسؤولاً في البيت الأبيض نفى في اليوم التالي تقريراً تحدث عن خطة لحظر الصادرات لمدة 90 يوماً.

وتأتي هذه المخاطر في وقتٍ وصلت فيه أسعار الديزل بالتجزئة في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي بلغ 6.51 دولار للغالون في 21 سبتمبر، بينما ارتفعت حصة أوروبا من صادرات الديزل وزيت الغاز الأميركية إلى نحو 50% في سبتمبر 2026، مقابل متوسط بلغ 30% خلال 2025.

وتتصدر الولايات المتحدة قائمة أكبر مصدّري الديزل في العالم، متقدمة على روسيا والسعودية، في سوق تبلغ صادراتها العالمية أكثر من 8.2 مليون برميل يومياً، وفق بيانات عام 2025.

وصدّرت الولايات المتحدة في المتوسط نحو 1.264 مليون برميل يومياً من الديزل خلال 2025، لتحتل المركز الأول عالمياً.

700 ألف برميل يومياً تتجه إلى التخزين

تُقدّر وود ماكنزي أن فرض الحظر سيحوّل نحو 700 ألف برميل يومياً من فائض الديزل وزيت الغاز الأميركي إلى المخزونات، ما سيؤدي إلى امتلاء سعات التخزين خلال ما يزيد قليلاً على شهر واحد، وعند امتلاء الخزانات، لن تتمكن المصافي من مواصلة إنتاج الديزل بالمعدلات الحالية، ما سيجبرها على خفض معالجة الخام بأكثر من مليوني برميل يومياً، حيث تبدأ الحلقة العكسية التي تتضمن انخفاض تشغيل المصافي، وهو ما لا يقلص إنتاج الديزل فقط، وإنما يخفّض أيضاً إنتاج البنزين، ما يفتح الباب أمام زيادة الواردات وارتفاع الأسعار.

الديزل ينخفض.. والبنزين يدفع الفاتورة

ويقول آلان غيلدر، النائب الأول لرئيس قسم التكرير والكيماويات وأسواق النفط في وود ماكنزي، إن حظر صادرات الديزل سيؤدي على الأرجح إلى زيادة تكاليف الوقود على المستهلكين الأميركيين، لأن خفض معدلات معالجة الخام للتعامل مع فائض الديزل سينقل عبء التكلفة من الديزل إلى البنزين.

وتظهر بيانات وود ماكنزي أن إنتاج الديزل وزيت الغاز في الولايات المتحدة قد ينخفض بنحو 800 ألف برميل يومياً، بينما يتراجع إنتاج البنزين بنحو 70 ألف برميل يومياً إذا فُرض الحظر.

وبحسب تقديرات الشركة، قد ترتفع أسعار البنزين على الساحل الشرقي الأميركي بنحو 15% مقارنة بسيناريو الأساس، أي ما يعادل نحو 26 سنتاً للغالون، لتقترب الأسعار من مستويات قياسية.

صادرات أميركا كانت تمتص صدمات متتالية

لم تكن زيادة صادرات الديزل الأميركية خلال الأشهر الماضية مجرد تدفق تجاري إضافي، بل ساعدت السوق العالمية على امتصاص سلسلة من صدمات الإمدادات.

فقد ارتفعت صادرات الولايات المتحدة من الديزل بنحو 340 ألف برميل يومياً خلال الأشهر الستة الماضية مقارنة بمتوسط 2025، وهو ما أسهم في تعويض ثلاث خسائر متتالية في الإمدادات، من حيث فقدان براميل الشرق الأوسط بعد إغلاق مضيق هرمز، وتوقف صادرات الديزل الروسية منذ منتصف يوليو، ثم انخفاض توقعات إمدادات الخام.

أوروبا أمام منافسة على البراميل

وتقول شركة وود ماكنزي إن أوروبا ستكون من أكثر المناطق تعرضاً لتداعيات الحظر الأميركي بعدما ارتفعت حصتها من صادرات الديزل وزيت الغاز الأميركية إلى نحو نصف إجمالي الصادرات في سبتمبر، حيث ستواجه مخزونات الديزل وزيت الغاز العالمية خارج الولايات المتحدة عمليات سحب متسارعة، مع غياب الإمدادات الأميركية التي كانت ستتجه إلى هذه الأسواق.

وتعمل المصافي الأوروبية عند مستويات مرتفعة، ولا تملك المنطقة هامش طاقة كبيراً لتعويض فقدان البراميل الأميركية.

وفي سيناريو الحظر، تتوقع وود ماكنزي ارتفاع هوامش تكرير الديزل في شمال غرب أوروبا بنسبة 27%، مع اشتداد المنافسة بين المشترين على كميات محدودة من الإمدادات خارج الولايات المتحدة.

وقبل اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، كانت أوروبا تستورد ما بين 200 ألف برميل يومياً و300 ألف برميل يومياً من الديزل من دول داخل الخليج العربي، بما يمثل نحو 10% من إجمالي الواردات.

ومنذ اختفاء هذه الإمدادات، أسهمت الشحنات الأميركية في سد الفجوة.

ومن المتوقع أن تصل صادرات الولايات المتحدة من الديزل إلى أوروبا إلى 360 ألف برميل يومياً في الربع الثالث من عام 2026، ارتفاعاً من 250 ألف برميل يومياً قبل الحرب، وفقاً لبيانات S&P Global Commodities at Sea.

الصين تصبح الورقة الأهم

ومع تراجع الإمدادات الأميركية وقيود روسيا، تصبح الصين المصدر الوحيد الذي يمتلك، وفق تحليل وود ماكنزي، طاقة تكرير فائضة كبيرة يمكنها تعويض جزء ذي معنى من النقص، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية زيادة صادرات الصين بنحو 300 ألف برميل يومياً مقابل نحو 190 ألف برميل يومياً من روسيا، لكن كلا المصدرين يواجه قيوداً.

فروسيا تفرض بالفعل قيوداً على صادراتها، بينما لا يوجد ما يضمن أن الصين سترى في زيادة صادرات المنتجات النفطية مصلحة لها.

ويقول آلان غيلدر إن الصين هي الدولة الوحيدة التي تمتلك حالياً طاقة تكرير فائضة كبيرة يمكن أن تعوض فقدان إنتاج المصافي الأميركية، لكن بكين قد تقرر أن زيادة الإمدادات إلى السوق العالمية ليست في مصلحتها.

الحظر يضغط على السوق العالمية أيضاً

وترى شركة وود ماكنزي أن تكلفة حظر تصدير الديزل لن تكون على أميركا فقط، فإذا انخفضت صادرات الولايات المتحدة، ستتنافس أوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا على كميات بديلة في سوق تعاني بالفعل ضيقاً في الإمدادات.

وتُقدّر وود ماكنزي أن أسعار الديزل في شمال غرب أوروبا قد ترتفع بنحو 27%، أي ما يعادل نحو 80 سنتاً للغالون مقارنة بسيناريو الأساس.

وفي الوقت نفسه، قد تنخفض أسعار الديزل داخل معظم الولايات المتحدة مع محاولة المصافي توجيه مزيد من المنتجات إلى السوق المحلية، لكن المكسب المحلي سيكون مصحوباً بخسائر في كفاءة قطاع التكرير وضغوط أكبر على أسواق الوقود العالمية.

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة