سوق الغاز العالمي أمام مخاوف جديدة بسبب الشتاء

سوق الغاز العالمي أمام مخاوف جديدة بسبب الشتاء (أ ف ب)
سوق الغاز العالمي أمام مخاوف جديدة بسبب الشتاء
سوق الغاز العالمي أمام مخاوف جديدة بسبب الشتاء (أ ف ب)

تواجه أسواق الغاز العالمية مخاطر تجدد موجة ارتفاعات سعرية خلال الشتاء المقبل مع استمرار تعطل معظم إمدادات الغاز الطبيعي المُسال من قطر عبر مضيق هرمز، وانخفاض مستويات المخزون الأوروبي عن المعتاد، في وقتٍ لم تعد فيه زيادة الإمدادات من الولايات المتحدة وأستراليا كافية لتعويض النقص بالكامل.

ويرى معهد أكسفورد لدراسات الطاقة أن العقود الآجلة للغاز الأوروبي قد تتجاوز 30 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية بحلول مارس 2027، إذا غاب التقدم الدبلوماسي ولم تستأنف إمدادات الغاز الطبيعي المُسال من الشرق الأوسط قبل الشتاء.

لكن المعهد يشير في المقابل إلى أن تحسن الإمدادات العالمية في السنوات المقبلة، إلى جانب احتمالات الطقس الأكثر اعتدالاً في أوروبا قد يحد من الضغوط على السوق

هرمز يعيد إشعال الأسعار

وأشار المعهد إلى ارتفاع المؤشرات المرجعية العالمية لأسعار الغاز بقوة خلال الربع الثالث من عام 2026، مع انهيار الاتفاق المبرم في يونيو بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الصراع وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الشحن التجاري، واستمرار ضعف فرص التوصل إلى تسوية سياسية دائمة.

وبعد تداول مؤشر «ttf» الأوروبي في معظم الربع الثاني ضمن نطاق يتراوح بين 13.50 و17.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، دفعت استعادة العمليات العسكرية وتراجع المسار الدبلوماسي العقود الآجلة للشهر الأقرب إلى تسجيل ذروة بلغت 28 دولاراً في منتصف سبتمبر، مقارنة بذروة سابقة عند 21 دولاراً في منتصف مارس.

وأضاف المعهد أنه على الرغم من تراجع الأسعار قليلاً خلال النصف الثاني من سبتمبر، فلا تزال السوق شديدة الحساسية لأي اضطراب إضافي خاصة مع صعوبة وصول عمليات ضخ الغاز إلى المخزونات الأوروبية إلى متوسطاتها التاريخية، ما يزيد تعرض السوق لموجات البرد أو انخفاض إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح خلال الشتاء.

وفي الأول من أكتوبر، تراجعت العقود الآجلة للتسليم في الربع الثاني من عام 2028 إلى نحو 12 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ويرى المعهد أن منحنى الأسعار يعكس توقعات بتحسن توازن العرض والطلب مع نمو إمدادات الغاز الطبيعي المسال، لكنه لا يلغي المخاطر التي تواجه السوق على المدى القريب.

تعافي النفط لا يعني عودة غاز الشرق الأوسط

ويرى معهد أكسفورد للطاقة أن وضع الغاز الطبيعي المسال يختلف عن النفط في التعامل مع أزمة مضيق هرمز، فبينما اقتربت صادرات النفط من مستوياتها الطبيعية في أواخر سبتمبر، لا تزال إمدادات قطر من الغاز الطبيعي المسال متوقفة إلى حد كبير.

ومددت شركة قطر للطاقة حالة القوة القاهرة بشأن بعض الالتزامات التعاقدية حتى نوفمبر، في مؤشر على استمرار عدم اليقين بشأن انتظام الشحنات. ورغم ثقة الشركة في إمكانية استئناف تشغيل وحدات التسييل غير المتضررة في رأس لفان سريعا، فإن استقرار الإمدادات يظل مرتبطاً بالتوصل إلى اتفاق سياسي مستدام مع إيران.

يقول المعهد إن التحدي يكمن في أن الغاز الطبيعي المسال أقل قدرة على التخزين من النفط، كما أن شحناته لا تملك مسارات بديلة لتجاوز نقاط الاختناق على غرار بعض طرق نقل النفط. لذلك، فإن تحسن حركة الشحن في حد ذاتها لا تكفي لضمان عودة الإمدادات إلى السوق.

وبحسب المعهد، ظلت صادرات قطر أعلى قليلاً من ملياري متر مكعب شهرياً، يذهب نصفها تقريباً إلى مستوردين داخل الشرق الأوسط، بينما يصل النصف الآخر إلى وجهات خارجه.

ويظل هذا المستوى بعيداً عن أكثر من 10 مليارات متر مكعب شهرياً قبل الأزمة، فيما توقفت الشحنات المتجهة إلى أوروبا منذ اندلاع الصراع مع إيران.

الإمدادات الأميركية تخفف النقص دون إنهائه

ويرى المعهد أن نمو الإمدادات من أستراليا والولايات المتحدة ساعد على الحد من الخسائر التي أصابت سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية، لكن إجمالي الإمدادات لا يزال أقل من مستوياته قبل عام.

وبلغت الإمدادات العالمية نحو 127.7 مليار متر مكعب في الربع الثالث من عام 2026، ارتفاعاً من 125.1 مليار متر مكعب في الربع الثاني، لكنها ظلت دون 135 مليار متر مكعب المسجلة في الربع الثالث من عام 2025.

وفي أميركا الشمالية، وصلت صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى 47.3 مليار متر مكعب خلال الربع الثالث، بزيادة سنوية قدرها 22%، أو 8.5 مليار متر مكعب.

كانت واردات مصر من الغاز المسال الطبيعي ارتفعت إلى أعلى مستوى خلال الربع الثالث من العام الحالي، مع ارتفاع احتياجات السوق المحلي من الغاز الطبيعي، حيث استقبلت مصر نحو 55 شحنة من الغاز المسال الأميركي خلال الفترة نفسها.

بدأت مصر بالعودة إلى استيراد الغاز المسال في أبريل نيسان من عام 2024 لمواجهة الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي من قِبل قطاع الكهرباء، والحد من انقطاعات الكهرباء خلال الأشهر الماضية، إلّا أنه مع بداية عام 2025 بدأت الوزارة التوسع في عمليات استيراد شحنات الغاز المُسال، مع إبرامها تعاقدات لاستئجار 4 وحدات لتغويز الغاز.

وتعمل محطة التغويز على تحويل الغاز المسال -الذي يتم استيراده في صورة سائلة- إلى صورة غازية، ثم يُضخ في شبكة الغاز القومية المصرية.

أوروبا تدخل الشتاء بمخزونات أقل

وتتزايد حساسية السوق الأوروبية بسبب تراجع واردات الغاز الطبيعي المسال وانخفاض مستويات التخزين. فقد انخفضت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 37% مقارنة بالربع الأول من عام 2026، وبنسبة 17% على أساس فصلي، بما يعادل 6 مليارات متر مكعب، لتسجل أدنى مستوى في عامين.

وفي نهاية الربع الثالث، بلغت مخزونات الغاز الأوروبية 75.8 مليار متر مكعب، بما يعادل 71.6% من السعة التخزينية، بانخفاض قدره 12.2 مليار متر مكعب على أساس سنوي. ويشير المعهد إلى احتمال دخول أوروبا نوفمبر بمستويات تخزين تقل عن 75%، في ظل انخفاض المخزونات عند بداية موسم الحقن، وتراجع توفر الغاز الطبيعي المُسال، وضعف الحوافز الموسمية لتخزين الغاز.

وتزيد هذه المستويات المنخفضة من أهمية الإمدادات عبر خطوط الأنابيب. فقد بلغت واردات أوروبا من الغاز النرويجي 29.3 مليار متر مكعب في الربع الثالث، مقابل 28.7 مليار متر مكعب في الفترة نفسها من العام السابق، بينما ظلت إمدادات شمال إفريقيا إلى إسبانيا وإيطاليا مستقرة نسبياً.

الأسعار المرتفعة تضغط على الطلب

ويرى المعهد أن تداعيات ارتفاع الأسعار لم تقتصر على جانب الإمدادات، بل بدأت تظهر أيضاً في الاستهلاك، إذ تراجعت واردات آسيا من الغاز الطبيعي المسال على أساس سنوي، رغم تعافيها مقارنة بالربع الثاني.

وانخفضت واردات آسيا بنحو 3 مليارات متر مكعب، أو 3.5%، مع تراجع الطلب في الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة وبنغلاديش وباكستان، في مقابل زيادات في تايوان والهند وتايلاند وفيتنام.

وفي أوروبا، انخفض الطلب على الغاز بنسبة 1.7% على أساس سنوي خلال الربع الثالث، بينما تراجع في سبتمبر بنحو 5%.

وأسهم الطقس الدافئ في تقليص الحاجة إلى التدفئة، لكن الأسعار المرتفعة أصبحت عاملاً إضافياً يدفع المستهلكين إلى خفض الاستهلاك.

النينيو قد يخفف ضغط الشتاء

في مقابل مخاطر نقص الإمدادات، يرى المعهد أن الطقس قد يشكّل عاملاً مهماً في الحد من الطلب الأوروبي خلال الشتاء المقبل، ويتوقع أن تسهم ظاهرة «النينيو الفائق» في طقس أكثر اعتدالاً ورطوبة في معظم أنحاء أوروبا، مع احتمال ارتفاع مستويات الرياح وتحسن الظروف المائية اللازمة لتوليد الكهرباء من الطاقة الكهرومائية.