قد يظهر سعر النفط على شاشات التداول أقل بكثير من الفاتورة التي تدفعها مصفاة للحصول عليه، فمع ارتفاع أجور الشحن والتأمين نتيجة اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، تقول الدكتورة حليمة كروفت، رئيسة أبحاث السلع الأولية في «آر بي سي كابيتال ماركتس»، إنها سمعت عن بعض المصافي في آسيا التي تدفع نحو 170 دولاراً للبرميل.
وفي مقابلة مع CNN الاقتصادية، تحذر كروفت من أن زيادة كميات النفط العابرة للمضيق قد تعطي انطباعاً بأن السوق عادت إلى طبيعتها، بينما يبقى إيصال الشحنات مكلفاً ومعقداً، ولهذا؛ ترى أن انتهاء الحرب قد يخفض الأسعار سريعاً، لكنه لن يعيد السوق إلى وضعها السابق بالسرعة نفسها.
النفط يصل.. لكن بأي كلفة؟
توضح كروفت أن كلفة الحصول على النفط تختلف بحسب موقع المشتري وظروف الشحن والتأمين، ولهذا؛ فإن زيادة الكميات المتاحة لا تكفي لخفض الفاتورة ما دامت تكاليف إيصالها مرتفعة.
وكان الدكتور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والرئيس التنفيذي لأدنوك ومجموعتها، قد قال في افتتاح «أديبك» في الثاني من نوفمبر إن الشحن والخدمات اللوجستية أصبحا يمثلان أكثر من 30% من كلفة البرميل، مقارنة بأقل من 5% قبل الاضطرابات.
وتقول كروفت إن هذه التكاليف تنتقل في النهاية إلى المستهلك، لذلك؛ قد تنخفض أسعار النفط المتداولة، بينما تظل الفاتورة الفعلية مرتفعة بفعل الشحن والتأمين.
لماذا لن تنتهي المشكلة بمجرد إعلان السلام؟
تتوقع كروفت أن يؤدي إعلان انتهاء الحرب إلى موجة بيع تهبط بأسعار النفط، لكنها تتوقف عند سؤال آخر: كيف ستنتهي الحرب، وما الذي سيتغير فعلياً في حركة الملاحة؟
فالخام يعبر هرمز حالياً، بحسب وصفها، لكن نقله يتطلب ترتيبات صعبة، وتستمر الهجمات على ناقلات، وتُنقل شحنات بين السفن، وتُستخدم موارد عسكرية أميركية كبيرة للمساعدة في المرافقة، وهذا يختلف عن مرور تجاري منتظم تستطيع الشركات الاعتماد عليه.
وتضيف أن تحسن حركة الخام لا يشمل بالقدر نفسه المنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال، اللذين لا تزال كميات محدودة منهما تعبر المضيق، لذلك؛ فإن استعادة الملاحة لجميع أنواع الشحنات ستكون اختباراً مهماً لأي تسوية.
وعندما سُئلت عن احتمال عودة النفط إلى 60 دولاراً للبرميل، لم تستبعد هبوطاً سريعاً مع إعلان انتهاء الحرب، لكنها شددت على أن معالجة اضطراب السوق ستستغرق وقتاً، وأن حركة الأسعار الأولى قد لا تعكس ما ينتظر المشترين بعد ذلك.
إعادة التخزين قد تدعم الأسعار
وهنا تبرز نقطة أساسية في توقعاتها: الدول التي سحبت من احتياطياتها خلال الحرب ستحتاج إلى إعادة بنائها، وقد تختار الاحتفاظ بمخزونات أكبر من السابق.
وترى كروفت أن بعض التوقعات المتشائمة للأسعار تركز على عودة الإمدادات بعد الحرب، في وقت تراجع فيه الطلب، لكنها لا تعطي ما يكفي من الاهتمام للشراء بغرض التخزين، فهذا الطلب الإضافي قد يحد من استمرار الهبوط.
وتتوقع أن تعمل دول مثل اليابان على تعزيز احتياطياتها الاستراتيجية، وأن تعيد الولايات المتحدة بناء مخزونها بعد السحب منه خلال الحرب الروسية الأوكرانية ثم خلال المواجهة الحالية.
وتأتي هذه التوقعات بعد سحب كبير من المخزونات؛ ففي كلمته بأديبك، قال د. الجابر إن ما يقارب مليار برميل استُنزف من المخزونات العالمية منذ اضطراب الملاحة في هرمز، محذراً من تقلص الاحتياطيات التي تساعد السوق على مواجهة الصدمات.
وبالنسبة إلى كروفت، لن يكون التخزين مجرد تعويض لما استُهلك، فقد تعيد الدول النظر في حجم ما تحتاج إليه لمواجهة تعطل الواردات مستقبلاً.
كيف ساعدت الصين في تخفيف الصدمة؟
تقول كروفت إن الصين بنت احتياطيات استراتيجية كبيرة قبل الحرب، ما أتاح لها الاعتماد عليها عندما تعطلت الإمدادات عبر هرمز، وتقدّر أنها استطاعت خفض حاجتها إلى الواردات بنحو أربعة إلى خمسة ملايين برميل يومياً.
وبحسب تحليلها، ساعد ذلك في تخفيف الضغط على السوق العالمية: فبدلاً من المنافسة على الكميات المتاحة، استطاعت الصين تلبية جزء من احتياجاتها من المخزون الذي جمعته مسبقاً.
وترى أن هذه القدرة كانت أحد أسباب عدم وصول النفط إلى 200 دولار للبرميل على شاشات التداول، فقد تمكن مشترٍ كبير من تقليص وارداته وقت الاضطراب، لأن لديه احتياطياً يعود إليه.
ولهذا تتوقع أن تنظر دول مستهلكة أخرى إلى التجربة الصينية باعتبارها درساً في الاستعداد، فالمخزون الأكبر يمنحها وقتاً للتعامل مع انقطاع الإمدادات، ويقلل حاجتها إلى الشراء العاجل في أشد فترات السوق توتراً.
الإمارات والسعودية.. قيمة الاستعداد المبكر
وعلى جانب المنتجين، تشير كروفت إلى أهمية الاستثمار في مسارات بديلة قبل الحاجة إليها، وتبرز تجربة الإمارات في تطوير خطوط الأنابيب باتجاه الفجيرة، بوصفها مثالاً على بنية تحتية أثبتت أهميتها عند تعطل المسار المعتاد.
وكانت أدنوك قد أعلنت في مايو أن خطها الثاني باتجاه الفجيرة، الذي بدأ العمل عليه في 2025، بلغ إنجازه 50%، مع تسريع التنفيذ باتجاه 2027، ويتيح المسار التصدير عبر الفجيرة متجاوزاً مضيق هرمز.
كما تشير كروفت إلى خط الشرق–الغرب السعودي، وترى أنه وفر متنفساً للسوق.