محمد تقي الدين لـCNN الاقتصادية: مراكز البيانات والعقارات الصناعية واللوجستية تتصدر فرص النمو، فيما يفرض المعروض الجديد على المستثمرين التدقيق في الموقع والجودة وصافي العائد.
تدخل أسواق العقارات في الشرق الأوسط مرحلة جديدة، تتداخل فيها زيادة المعروض وارتفاع تكاليف التمويل مع تدفق الاستثمارات الأجنبية، في وقت تفتح فيه البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات مجالات استثمارية لم تكن حاضرة بالقوة نفسها خلال السنوات الماضية.
وقال محمد تقي الدين، الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا في شركة «JLL»، في مقابلة مع «CNN الاقتصادية»، إن القطاع العقاري في المنطقة أظهر مرونة مرتفعة في مواجهة التقلبات منذ بداية العام، لكن أداء السوق يختلف من قطاع إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى.
وأوضح أن أسواق المكاتب المتميزة ما زالت تسجل مستويات منخفضة من الشواغر، إذ تبلغ النسبة في الرياض نحو 1.9%، كما تهبط دون 2% في أبوظبي.
وفي دبي، تراجعت شواغر المكاتب من 8% خلال العام الماضي إلى نحو 6% حالياً، فيما ارتفعت التعاملات المكتبية بنحو 25% منذ بداية العام، بحسب تقي الدين.
ويرى الرئيس التنفيذي لـ«JLL» في الشرق الأوسط وإفريقيا أن هذه المؤشرات تعكس قوة النشاط الاقتصادي واستمرار الطلب على العقارات المكتبية، ولا سيما المساحات المتميزة من الفئة الأولى.
العقارات الصناعية واللوجستية تتصدر النمو
لا يقتصر الطلب القوي على المكاتب، إذ تتجاوز معدلات إشغال العقارات الصناعية واللوجستية 90% في المدن الرئيسية بالمنطقة، وترتفع إلى أكثر من 92% في أبوظبي ودبي.
وقال تقي الدين إن هذه المستويات تمنح الملاك قدرة أكبر على التحكم في الأسعار، مرجحاً أن يكون القطاع الصناعي واللوجستي من أقوى القطاعات العقارية المرشحة للنمو خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن تقييم الفرص لا يمكن أن يتم بالطريقة نفسها في جميع المدن والأسواق، لأن عوامل النمو تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية وحجم الطلب وطبيعة المعروض في كل سوق.
مراكز البيانات فئة عقارية جديدة
يمثل توسع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أحد أبرز العوامل التي تعيد تشكيل القطاع، مع صعود مراكز البيانات بوصفها فئة عقارية جديدة وبنيةً أساسيةً للاقتصاد الرقمي.
وتوقع تقي الدين أن تصل قدرة مراكز البيانات عالمياً إلى نحو 100 غيغاواط بحلول عام 2030، بينما تبلغ القدرة الحالية في الإمارات والسعودية معاً نحو 1.3 غيغاواط.
وأشار إلى أن حجم مراكز البيانات في المنطقة قد يتضاعف مرتين أو ثلاث مرات بحلول 2030، مدفوعاً بنمو الطلب على الحوسبة والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.
ولا يقتصر الأثر العقاري لهذا القطاع على المباني، بل يمتد إلى إدارة المشروعات والمرافق والطاقة والخدمات الاستشارية. وفي المقابل، يفرض استهلاك مراكز البيانات الكبير للطاقة والتبريد تحديات متزايدة ترتبط بالاستدامة وكفاءة التشغيل.
الأسعار تتجه نحو الاعتدال
بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة التي أعقبت جائحة كورونا، بدأت وتيرة نمو أسعار العقارات في المنطقة تتباطأ منذ نهاية عام 2025، حتى قبل تصاعد التوترات الجيوسياسية الحالية.
وأوضح تقي الدين أن الأسعار كانت ترتفع بنحو 10% سنوياً، قبل أن تبدأ السوق مساراً من الاعتدال بفعل زيادة المعروض والإجراءات التنظيمية الحكومية.
وأسهمت سياسات ضبط زيادات الإيجارات والتسهيلات التنظيمية، إلى جانب فتح باب التملك الأجنبي في السعودية، في تحقيق توازن أكبر وتوسيع قاعدة المستثمرين.
وفي الوقت نفسه، شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً لافتاً في تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى القطاع، بعد أن اعتمدت أسواق المنطقة تاريخياً بدرجة أكبر على الاستثمارات المحلية.
وتستحوذ الإمارات والسعودية على الحصة الأكبر من هذا الاهتمام، سواء عبر الاستثمارات المباشرة أو المشاركة في المشروعات التنموية الكبرى. ويرى تقي الدين أن هذا الاتجاه يعكس نضج السوق وارتفاع ثقة المستثمرين الأجانب في آفاق المنطقة على المدى الطويل.
المعروض الجديد لا يضغط جميع العقارات
مع توقع دخول أعداد كبيرة من الوحدات السكنية والمكتبية إلى أسواق المنطقة، تتزايد المخاوف بشأن انعكاس المعروض الجديد على أسعار البيع والإيجارات.
لكن تقي الدين شدد على ضرورة قراءة البيانات بدقة، موضحاً أن تأثير المعروض لن يكون متساوياً بين جميع المشروعات والمناطق، بل سيعتمد بصورة أساسية على الموقع والجودة وتوقيت الطرح.
وأشار إلى أن المطورين والجهات الحكومية أصبحوا أكثر حرصاً في اختيار مواعيد إطلاق المشروعات الجديدة، مع التركيز على استكمال المشروعات القائمة والاعتماد على الإطلاق المرحلي.
وبالتالي، ستكون المشروعات التي تراعي الطلب الفعلي وجدوى الاستثمار أكثر قدرةً على النجاح، بينما قد تواجه المشروعات الأقل جودةً أو الواقعة في مناطق تشهد وفرةً في المعروض ضغوطاً أكبر.
ثلاثة تحولات ترسم المشهد المقبل
حدد تقي الدين 3 تحولات رئيسية ستقود ديناميكية القطاع العقاري في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
يتمثل التحول الأول في ظهور مراكز البيانات كفئة عقارية جديدة، وما يرتبط بها من مشروعات وفرص عمل واستثمارات. أما الثاني فهو تنامي أهمية القطاعين الصناعي واللوجستي، في ظل المتغيرات التي شهدتها التجارة وسلاسل التوريد.
ويتعلق التحول الثالث بتغير هيكل تمويل المشروعات والمشتريات العقارية، سواء عبر دخول رؤوس أموال مؤسسية وشراكات استثمارية جديدة أو من خلال تطور أدوات التمويل العقاري المتاحة للأفراد.
نصيحة للمستثمر الصغير: تجنب المضاربة
حذر تقي الدين المستثمرين الصغار من الانجراف وراء المضاربة والبحث عن الربح السريع، معتبراً أن ذلك يمثل أحد أبرز الفِخاخ التي قد تواجههم في السوق العقارية.
وأكد أن الاستثمار المستدام يتطلب فحص الطلب الحقيقي في المنطقة المستهدفة، والتأكد من ارتباطه بنمو السكان والوظائف والخدمات، بدلاً من الاعتماد على توقعات غير مدعومة بأساس اقتصادي.
كما دعا المستثمرين إلى دراسة المشروعات المتوقع طرحها خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، نظراً إلى تأثيرها المحتمل في حجم المعروض والعائد الاستثماري.
ولا ينبغي، بحسب تقي الدين، الاكتفاء بالعائد المعلن، بل يجب حساب صافي الربح بعد خصم رسوم الخدمات وتكاليف الاقتراض والصيانة وجميع النفقات المرتبطة بالعقار.
وأشار أيضاً إلى أن خطط السداد التي يقدمها المطورون أسهمت في تنشيط السوق وتوسيع فرص الشراء، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا التزم المستثمر بدفعات مستقبلية قبل أن يبدأ العقار في تحقيق عائد مجدٍ.
العمل الهجين لا يلغي الطلب على المكاتب
على الرغم من توسع العمل عن بُعد بعد جائحة كورونا، يرى تقي الدين أن سوق المكاتب وصل إلى نقطة من الاستقرار، بعد عودة بعض الشركات إلى العمل الحضوري الكامل واعتماد شركات أخرى أنظمةً هجينةً.
وأوضح أن الشركات تظل في حاجة إلى المساحات المكتبية حتى مع انخفاض معدل استخدامها الأسبوعي، إذ لا يمكنها التخلي عن جزء من المساحة في الأيام التي يعمل فيها الموظفون عن بُعد.
ولذلك، ما زال الطلب على المكاتب التجارية، وخصوصاً المكاتب المتميزة من الفئة الأولى، قوياً في المنطقة، وسط نقص واضح في المعروض داخل بعض الأسواق الرئيسية.
وتكشف هذه التحولات أن مستقبل العقارات في الشرق الأوسط لن يعتمد على زيادة المشروعات وحدها، بل على قدرتها على الاستجابة للطلب الحقيقي، وتوفير مواقع وجودة مناسبة، وتحقيق عوائد مستدامة في سوق أصبحت أكثر نضجاً وانتقائيةً.