ترامب بعد خسارة الكونغرس.. بطة عرجاء أم رئيس قادر على إدارة الحرب والاقتصاد؟

بعد أن فقد الجمهوريون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضعاً سياسياً أصعب خلال العامين المتبقيين من ولايته، وهذا ما يُشار إليه بتعبير «البطة العرجاء»: رئيس يظل في منصبه، لكن قدرته على تمرير سياساته تتراجع، خصوصاً عندما يواجه الكونغرس والمعارضة تسيطر عليه.

غير أن هذا الضعف السياسي لا يسري بالدرجة نفسها على جميع قراراته، ففي مقابلة مع CNN الاقتصادية، يشدد فريدريك كيمب، الرئيس والرئيس التنفيذي للمجلس الأطلسي، على أن ترامب لا يزال يتمتع بسلطة واسعة في السياسة الخارجية وشؤون الحرب والسلام.

صحيح أن الكونغرس الجديد يستطيع الضغط على قرارات الحرب عبر التمويل والتصويت على صلاحيات الحرب، لكن تراجع نفوذ ترامب داخل واشنطن لا يعني أنه فقد القدرة على توجيه ضربات إلى إيران، بحسب كيمب.

وهنا تكمن المفارقة: الناخبون يضغطون باتجاه إنهاء الحرب وخفض كلفتها، والرئيس يحتفظ بأدوات تصعيدها، فيما قد ترى طهران في ضعفه سبباً للتشدد لا للتنازل، ويرجّح كيمب أن يسعى ترامب إلى مخرج تفاوضي، مع استمرار الضغط الاقتصادي واحتمال ضربات محدودة، لكنه لا يستبعد أن يدفعه تعثر المحادثات إلى تغيير قراره، وبعيداً عن الحرب يرى كيمب أن الاقتصاد الأميركي يواجه اختباراً آخر، مع تصاعد الشكوك بشأن طفرة الذكاء الاصطناعي.

ترامب وحده يعرف خطوته المقبلة

عندما يتحدث كيمب عن القرار الأميركي المقبل، يبدأ بالتأكيد أن شخصاً واحداً يعرف الإجابة: الرئيس الأميركي نفسه، ويستشهد بعبارة قالها له أحد المقرّبين من ترامب، مفادها أن أهم مساحة جيوسياسية هي تلك الواقعة «بين أذنيه».

لكن كيمب يحدد عاملين على الرئيس أخذهما في الحسبان: الرسالة التي أرسلها الناخبون ضد استمرار الحرب، وصعوبة التوصل إلى اتفاق تقبله إيران.

ويقول إن أشخاصاً مقربين من ترامب أبلغوه بأنه يريد بالفعل مخرجاً من المواجهة، إلا أنهم يشعرون بالإحباط من صعوبة العثور على أطراف إيرانية مستعدة لإبرام اتفاق، خصوصاً بشأن البرنامج النووي الذي يصفه بأنه الأولوية الأهم للرئيس.

ضعف الرئيس قد يصعّب الاتفاق

يرى كيمب أن نتائج انتخابات التجديد النصفي قد تجعل الإيرانيين أقل استعداداً للتنازل، فإذا اعتقدت طهران أن ترامب أصبح تحت ضغط داخلي أكبر لإنهاء الحرب، فقد ترى أن بإمكانها الانتظار للحصول على شروط أفضل. وهذا هو التناقض الذي يطرحه: الانتخابات قد تزيد رغبة الرئيس الأميركي في التسوية، لكنها قد تقلل حافز الطرف الإيراني لتقديم التنازلات اللازمة لها. وفي تقديره، قد تستمر المحادثات والوساطة، بينما تتمسك إيران بموقفها النووي، لأنها تشعر بأنها تملك أفضلية في التفاوض.

رسالة فانس ومنشوره.. لماذا تميل الإدارة إلى التفاوض؟

ويستدل كيمب على الرغبة الأميركية في التهدئة بتحركين لنائب الرئيس جيه دي فانس؛ الأول رسالة إلى الإيرانيين نُقلت عبر القطريين، يقول إن طهران استجابت لها بإيجابية، والثاني منشور مطوّل على منصة «إكس» في الرابع من نوفمبر، قال فيه فانس صراحة إن الحرب هي سبب خسارة الجمهوريين، وعدّد بين مطالب الناخبين إنهاء الحرب والتركيز على كلفة المعيشة والتضخم.

ويربط كيمب تلك الأعباء بارتفاع أسعار النفط الناتج عن الحرب، فاستمرار المواجهة يرفع الأسعار التي يدفعها الأميركيون، ويزيد استياءهم من الإدارة، ويشير إلى أن فانس كان مؤيداً لمحادثات السلام منذ البداية، ويرجّح أن تتجه الجهود أكثر نحو التفاوض لهذا السبب.

لكن الاستجابة الإيجابية لرسالة فانس لا تعني الاتفاق على الشروط، ففي الخامس من نوفمبر 2026، نقلت رويترز عن مسؤول إيراني كبير أن طهران أرسلت مقترحاً نووياً إلى واشنطن عبر قطر، على ألا يُناقش إلا بعد تلبية سبعة مطالب إيرانية، بينها رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة والتعويض عن أضرار الحرب، في المقابل تريد واشنطن إدراج المسألة النووية ضمن المفاوضات الأولية.

فالخلاف لا يقتصر على مضمون الاتفاق، بل يشمل ترتيب الخطوات: ما الذي ينبغي أن يقدمه كل طرف أولاً؟ ولهذا يمكن أن يستمر التواصل، بينما تظل التسوية بعيدة.

ماذا ستفعل واشنطن إذا لم تتنازل إيران؟

يضع كيمب أمام الإدارة مسارين للضغط: مواصلة الإجراءات الاقتصادية، أو اللجوء إلى عمل عسكري، ويرجّح في الوقت الراهن استمرار الضغط الاقتصادي والوساطة، مع احتمال تنفيذ ضربات محدودة ومتفرقة.

أما التصعيد الأوسع، فيقول إنه من الخيارات المتاحة للرئيس، وقد يشمل ضرب الموقع المحصّن تحت الأرض قرب نطنز، المعروف بـ«جبل الفأس»، لإغلاق المداخل المؤدية إلى القدرات النووية هناك، واستهداف مزيد من مواقع الصواريخ الباليستية ومصانع المسيّرات، بصورة أشد مما حدث سابقاً.

لكنه لا يتوقع هذا السيناريو حالياً، فالأقرب لديه هو استمرار الضغط، وربما توجيه ضربات هنا وهناك، من دون الانتقال إلى حملة واسعة، ومع ذلك يبقى احتمال تغيّر القرار قائماً إذا شعر ترامب بأن التفاوض لا يحقق تقدماً.

هل يشمل ذلك استخدام سلاح نووي؟

وعند سؤاله عن تقارير تتحدث عن احتمال استخدام الولايات المتحدة سلاحاً نووياً ضد إيران، يتعامل كيمب مع الأمر بصورة مختلفة تماماً عن الضربات التقليدية، ويقول إن ما سمعه من اتصالاته يناقض هذا الاحتمال.

ويؤكد: «لم أتحدث إلى أي شخص مقرّب من الرئيس أو داخل المؤسسة العسكرية يعتقد أن استخدام السلاح النووي مطروح بأي شكل». ويضيف أنه لا يعرف مصدر هذه التقارير، وأنه لم يسمع شيئاً من هذا النوع.

ويعود في تفسيره إلى موقف فانس، والرفض الشعبي للحرب، والضغوط المرتبطة بالأسعار، وهي عوامل يرى أنها تدفع نحو محادثات السلام أكثر من التصعيد.

هرمز.. ورقة ضغط لها كلفة على إيران

ويعتقد كيمب أن صعوبة الوضع الاقتصادي الإيراني لا تحظى بالتقدير الكافي، فإذا استمر الضغط بصورة متواصلة، فقد يمثل للقيادة الإيرانية مشكلة أكبر من تجدد الهجمات العسكرية.

ويربط ذلك بمضيق هرمز: فطالما استمر تعطيله، يتوقع استمرار الحصار الأميركي على شحنات النفط الإيرانية أيضاً، فإيران تستطيع الضغط على إمدادات الطاقة العالمية، لكنها تتحمل في المقابل كلفة اقتصادية.

ويرى أن الصين منفتحة على حل لأزمة المضيق، وأن إيران تواجه بعض الضغط الصيني في هذا الملف، فلا أحد في المجتمع الدولي، بحسب تقديره، يريد استمرار إغلاق هذا الممر الحيوي لتجارة الطاقة.

كما يقول إن واشنطن ودول الخليج لن يقبلوا في نهاية المطاف بقدرة إيرانية على التحكم بالمضيق، ويعتقد أن على طهران أن تكون مستعدة للتفاوض بشأن ذلك، مع إقراره بأنه ليس مطلعاً تفصيلياً على وضع المفاوضات.

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.. هل يقترب الركود؟

ولا يقتصر القلق الاقتصادي لدى كيمب على الحرب، فهو يشير إلى موجة بيع في الأسواق الأميركية قبيل انتخابات التجديد النصفي، قال إن قيمتها بلغت تريليون دولار، بسبب الشكوك بشأن استدامة تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، بعدما أسهم القطاع في دفع الأسهم والنمو.

ويرى أن المشكلة تكمن في سرعة تحقيق العوائد: فالإنفاق الكبير على الذكاء الاصطناعي لا تصاحبه إيرادات بالسرعة الكافية، ويضيف أن بناء مراكز بيانات جديدة يواجه معارضة كبيرة داخل الولايات المتحدة، متوقعاً أن يحمل العام المقبل مزيداً من عدم اليقين واحتمال تراجع النشاط الاقتصادي.

لكنه لا يعتبر تصحيح الأسواق دليلاً على حتمية الركود، ويقول إن تقديرات احتمالات الركود التي يسمعها أقرب إلى 20%، وليست 50% أو 60%، فالخطر ارتفع مقارنة بما كان عليه قبل ستة أشهر، لكن الركود العالمي لا يزال، في تقديره، غير مرجح.

ويفسر تفاؤله الحذر بأن قطاعات أخرى في الاقتصاد الأميركي تواصل أداءً جيداً رغم تراجع التكنولوجيا، ولذلك يرى أن قوة الاقتصاد الأوسع قد تساعد على تجنب ركود أميركي وعالمي، حتى مع تزايد المخاطر.

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة