إنتل.. كيف تحولت أكبر شركة رقائق أميركية إلى ورقة مساومة في يد ترامب؟

تواجه إنتل أصعب اختبار مع ترامب. (شترستوك)
تواجه إنتل أصعب اختبار مع ترامب
تواجه إنتل أصعب اختبار مع ترامب. (شترستوك)

صفقة دخول الحكومة الأميركية كمساهم بـ9.9% في إنتل ليست مجرد ضخ 8.9 مليار دولار في شركة متعثرة، بل تعكس تحولاً أعمق وهو تدخل البيت الأبيض بشكل مباشر لإعادة صياغة علاقة الدولة الأميركية بصناعة الرقائق.

تكشف الخطوة أن إنتل لم تعد مجرد شركة خاصة، بل هي أصل استراتيجي ينظر إليه على أنه أكبر من أن يترك لمصيره.

من «أستقيل فوراً» إلى «أحببته كثيراً»

بدأت القصة من تغريدة على منصة تروث سوشال، إذ طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستقالة الرئيس التنفيذي ليب بو تان بسبب علاقاته السابقة بالصين.

لكن بعد اجتماع في المكتب البيضاوي، انقلب المشهد رأساً على عقب، أشاد ترامب بالرجل وأعلن صفقة تمنح حكومته حصة في الشركة.

جعل الترتيب الحكومة الأميركية أكبر مساهم منفرد في إنتل دون حق في الإدارة لكنه بقدرة رمزية قوية. تضمنت الصفقة خياراً يتيح لواشنطن شراء 5% إضافية إذا باعت إنتل معظم قطاع التصنيع لديها، في بند اعتبره خبراء «تعسفي»، يمنع الشركة من التخلي عن التصنيع نهائياً.

إلى جانب ذلك، أعلنت سوفت بنك بقيادة ماسايوشي سون استثماراً بقيمة ملياري دولار في إنتل، في محاولة لتوثيق العلاقات مع الإدارة الأميركية.

يوضح هذا التحول المفاجئ هشاشة بيئة الأعمال تحت إدارة ترامب، إذ يمكن أن تبدأ قرارات بمليارات الدولارات من مقطع تلفزيوني ثم تتغير في لقاء مغلق، وفق تقرير لوول ستريت جورنال.

إنتل.. تاريخ عريق وتحديات متراكمة

تأسست إنتل عام 1968 على يد روبرت نويس وغوردون مور، ولعبت دوراً محورياً في ثورة الحواسيب عبر معالجات بنتيوم وحملة «Intel Inside».

لكنّ أخطاءً استراتيجية كبّدت الشركة خسارة مكانتها في أسواق الهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي، بينما تقدمت شركات مثل إنفيديا وتي إس إم سي.

اليوم، تبلغ قيمة إنتل السوقية نحو 110 مليارات دولار فقط، أي نصف ما كانت عليه مطلع 2024. ومع خسائر تشغيلية بلغت 3.2 مليار دولار في قطاع التصنيع خلال الربع الثاني، باتت الشركة مضطرة لإلغاء استثمارات بمليارات وتسريح 15% من موظفيها.

الحوكمة تحت ضغط سياسي

لن تشارك الحكومة الأميركية في مجلس إدارة إنتل، لكنها ستظل تمتلك نفوذاً غير مباشر بفضل حصتها الضخمة، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول مستقبل الشركة.

فهل ستدار إنتل وفق منطق السوق والمساهمين، أم ستتأثر بقرارات البيت الأبيض واعتباراته السياسية؟ وكيف سينعكس وجود مساهم حكومي حصل على أسهم بخصم كبير على ثقة المستثمرين الآخرين؟ والأهم، هل تتحول الشركة إلى أداة مباشرة في الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، بعدما كانت رمزاً للاستقلالية التقنية الأميركية؟

معضلة بقاء إنتل في سباق الرقائق

تتعامل الإدارة الأميركية مع إنتل باعتبارها شركة أكبر من أن تفشل.

فهي آخر مصنع رقائق أميركي قادر نظرياً على إنتاج الشرائح المتقدمة داخل الولايات المتحدة. وانهيارها لن يكون مجرد فشل تجاري، بل ضربة استراتيجية تهدد استقلال واشنطن التكنولوجي أمام تايوان وكوريا الجنوبية.

لكن التمويل وحده لا يكفي. تحتاج إنتل عملاء كبار مثل أبل أو إنفيديا لتشغيل خطوط إنتاجها الجديدة. دون ذلك، قد يصبح ضخ الأموال أشبه بـ«تنفس صناعي» يبقي الشركة على قيد الحياة دون أن يعالج مرضها.

إنتل كرمز لعصر جديد

ما حدث مع إنتل يرمز إلى عصر جديد في العلاقة بين الدولة والسوق؛ فالدولة لم تعد مكتفية بالمنح أو الإعفاءات الضريبية، بل دخلت كمساهم مباشر في الشركات الاستراتيجية.

فمع وصول ترامب إلى البيت الأبيض مجدداً، تعهدت إدارته بعدم تقديم «شيكات مفتوحة» للشركات المدعومة. إذ قاد وزير التجارة هوارد لوتنيك محادثات مكثفة مع إنتل، شملت حتى التفكير في صفقات مع شركات منافسة.

وفي قطاع حساس مثل الرقائق، لم تعد الحماية تقتصر على المساعدات المالية، بل باتت القرارات خاضعة لرقابة سياسية يمكن أن تؤثر في مسارها الاستراتيجي. والرسالة الموجهة إلى وول ستريت والعالم واضحة؛ في قطاعات الأمن القومي، أصبح رأي الرئيس يوازي في أهميته قرارات السوق.

مستقبل غامض

المحللون منقسمون. فالبعض يرى أن دخول الحكومة يعطي إنتل فرصة جديدة لإعادة بناء ثقة السوق.

وآخرون يحذّرون من أن الشركة قد تتحول إلى رهينة قرارات سياسية أكثر من كونها لاعباً تقنياً.

ومهما كان، فإن صفقة إنتل لم تعد مجرد قضية دعم حكومي، بل أصبحت درساً في كيف تتقاطع السياسة والتكنولوجيا والاقتصاد في عالم تتحكم فيه الرقائق بميزان القوى العالمي.