في منتصف عام 2025 دخلت
سوريا مرحلة جديدة على صعيد تعاملاتها المالية، بعد سنوات من العزلة التي فرضتها الحرب والعقوبات، فقد أعادت دمشق الاتصال بشبكة «سويفت» الدولية وسجّلت أول معاملة بنكية لها منذ عام 2011، في خطوة فسّرها المراقبون مؤشراً على انفتاح تدريجي للنظام المالي. ومع بدء الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تخفيف بعض القيود ظهرت بوادر لإعادة إدماج البلاد في النظام المالي العالمي، بينما تبقى التحويلات الخارجية مصدر حياة رئيسياً لملايين الأسر، إذ تتراوح بين 5 و7 ملايين دولار يومياً وتصل إلى أكثر من 10 ملايين في المواسم.
في هذا السياق، قدّم حسن فردان الفردان، الرئيس التنفيذي لشركة الفردان للصرافة، في مقابلة مع CNN الاقتصادية، رؤية متكاملة تربط سوريا ببقية مشهد التحويلات والتكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من مصر ولبنان إلى شمال إفريقيا والخليج.
سوريا وإمكانات الاندماج من جديد
يعتبر الفردان أن المؤشرات الأولية مشجّعة، بدءاً من محاولات توحيد أسعار الصرف، مروراً بالنقاشات حول إعادة ربط القطاع المصرفي بـ«سويفت»، وصولاً إلى التخفيف التدريجي للعزلة الاقتصادية، لكنه شدّد على أن العودة الفعلية إلى قنوات التحويل الرسمية تتطلب معطيات أساسية: وضوح في آليات الصرف، وإعادة تأسيس العلاقات مع البنوك المراسلة، وتحقيق تقدم ملموس في مكافحة غسل الأموال والامتثال للعقوبات.
وأشار إلى أن الاستثمارات الخليجية ودعم مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي وصندوق النقد العربي قد تسرّع هذه العملية، مؤكداً أن «الطلب المرتفع على التحويلات من السوريين في الخارج، إضافة إلى المصالح التجارية الإقليمية، قد يشكلان حافزاً قوياً لتسريع تطوير المسار السوري».
هذه الرؤية تضع الملف السوري ضمن سياق أوسع؛ فبينما تخطو دمشق خطوات حذرة نحو النظام المالي الدولي، تواجه دول أخرى في المنطقة مسارات مختلفة كلياً، ما يعكس التنوع الشديد في استراتيجيات النقد والتحويلات.
مصر ولبنان.. مساران متناقضان
هذا التباين يظهر بوضوح في حالتي مصر ولبنان؛ فمصر اختارت تحرير سعر الصرف والانتقال إلى نظام أكثر ارتباطاً بالعرض والطلب، وهو ما يصفه الفردان بأنه «خطوة صعبة على المدى القصير، لكنها تمنح وضوحاً واستقراراً أكبر في تدفقات العملات على المدى الطويل».
هذا النهج يفتح المجال أمام التكنولوجيا المالية لبناء منصات أكثر شفافية وقابلة للتتبع.
على النقيض، يعيش لبنان في اقتصاد نقدي شبه كامل، وأوضح الفردان أن «الاقتصاد اللبناني يعتمد بالدرجة الأولى على التعامل بالكاش، إذ تتم نسبة كبيرة من المعاملات خارج النظام المصرفي التقليدي».
في مثل هذه البيئة، لا تستطيع التكنولوجيا المالية الاعتماد فقط على الأدوات الرقمية، بل عليها تطوير نماذج هجينة تجمع بين الرقمي والتقليدي.
وبينما تتيح مصر أرضية واضحة للتوسع الرقمي، يعكس لبنان التحديات التي تواجه الأسواق ذات الأنظمة المصرفية المنهارة، ما يدفعنا للنظر إلى شمال إفريقيا كحالة وسطية بين الإمكانات والعقبات.
شمال إفريقيا.. إمكانات كبيرة وثقة مفقودة
وبالنسبة إلى شمال إفريقيا، قال الفردان إن المنطقة تمتلك إمكانات ضخمة للتحول الرقمي بفضل التركيبة السكانية الشابة وانتشار الهواتف الذكية، لكنه شدّد على وجود عقبات أساسية، أبرزها ضعف الثقة في الخدمات الرقمية، وبطء نضوج الأطر التنظيمية، وفجوات البنية التحتية.
وأوضح أن بناء الثقة يتطلب منصات موثوقة وتجربة مستخدم مطمئنة، مشيراً إلى أن الأطر التنظيمية لا تزال في طور التشكل، لكنها تمثل فرصة للتعاون مع الهيئات الرقابية، كما أضاف أن الاستثمار في أنظمة الهوية الرقمية، وتطوير المعالجة الفورية للمدفوعات، وإنشاء بيئات تنظيمية تجريبية (sandboxes) سيكون حاسماً في سد الفجوات.
الخليج.. رهان على أنظمة الدفع العابرة للحدود
وتطرق الفردان إلى مشهد الخليج، مشيراً إلى أن صناديق الثروة السيادية تنظر إلى أنظمة الدفع العابرة للحدود كأولوية للسنوات الخمس المقبلة، باعتبارها أساساً للاندماج الاقتصادي مع نمو التجارة والتحويلات في المنطقة.
ولفت إلى أن الإمارات، عبر مصرفها المركزي، خطت خطوة متقدمة بإعلان إصدار عملة مستقرة مدعومة بالدرهم، وعلّق قائلاً: «هذه الخطوة ستجعل الإمارات في موقع ريادي للتحول نحو المدفوعات الرقمية وتجعل التسويات عبر الحدود أكثر سرعة وشفافية وكفاءة».
فمن سوريا التي تبحث عن نافذة للعودة إلى النظام المالي العالمي، إلى مصر التي تراهن على الشفافية النقدية، ولبنان الغارق في اقتصاد نقدي هش، وشمال إفريقيا التي تجمع بين الإمكانات والعقبات، وصولاً إلى الخليج الذي يضع أنظمة الدفع العابرة للحدود في صلب استراتيجيته، تبدو المنطقة أمام لوحة معقدة لكنها مترابطة.
وبحسب الفردان، فإن «الثقة والتشريعات المرنة والبنية التحتية الحديثة هي الأعمدة التي ستحدد شكل القطاع المالي القادم»، أما الشركات التي تنجح في الجمع بين الابتكار والامتثال فهي الأقدر على قيادة المرحلة المقبلة في مشهد التحويلات والمدفوعات بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا.