كيف تلاعب صانع السوق بأسعار الذهب فور خفض الفيدرالي الأميركي للفائدة؟

كيف تلاعب صانع السوق بأسعار الذهب فور خفض الفيدرالي الأميركي للفائدة؟

فور إعلان الفيدرالي الأميركي أمس الأربعاء 17 سبتمبر خفض الفائدة بربع نقطة مئوية تعادل 25 نقطة أساس، قفزت أسعار الذهب إلى مستويات قياسية تاريخية تجاوزت 3707 دولارات للأونصة، فيما بدأ التراجع إلى مستوى 3633 دولاراً ليتجاوز التراجع 74 دولاراً حتى الساعة 11 صباحاً بتوقيت دبي.

فالمراهنات المتزايدة على شراء الذهب فور الإعلان عن خفض الفائدة دفعت صانع السوق للارتفاع اللحظي لضرب المراكز البيعية، وغلق أوامر وقف الخسارة المعلقة المراهنة على البيع، ثم الانعكاس البيعي الأعنف لضرب رهانات المتداولين المنطقية بشراء الذهب فور خفض الإعلان عن خفض الفيدرالي الأميركي للفائدة؟.. وهنا خرج صانع السوق وحيداً بمكاسبه.

إذا كان تحرك صانع ذكي استهدف بالأساس المشترين، ولكن هذا التراجع أثار تساؤلات حول استدامة صعود الذهب، هل كان نتاجاً لضعف في العوامل الأساسية للمعدن أم تصحيحاً طبيعياً للسوق مدفوعاً بمتغيرات نفسية واقتصادية معقدة؟

مشهد اليوم يضيء على الأسباب والنتائج، فإلى التفاصيل:

أولاً: ظاهرة «البيع الاستباقي للخبر»

تُعدّ ظاهرة «بيع الخبر» (Sell the News) من أبرز المبادئ السلوكية التي تحكم الأسواق المالية، حيث يميل المستثمرون إلى بناء مراكز شرائية مكثّفة على أصول معينة بناءً على توقعات إيجابية قبل أن يتم الإعلان الرسمي عن الخبر.

في حالة الذهب، كان هناك تفاؤل واسع النطاق بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيخفّض أسعار الفائدة بشكل كبير، ما دفع أسعار الذهب للارتفاع بشكل ملحوظ وصولاً إلى قمم قياسية.

كان السوق قد «سَعَّر بالكامل» خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس، مع وجود احتمالية بنسبة 8% لخفض أكبر بمقدار 50 نقطة أساس.

وعندما أعلن الفيدرالي خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة فقط، وهو ما كان متوقعاً، قام المستثمرون بعملية «بيع الخبر» لجني الأرباح التي حققوها من الارتفاع السابق. لم يكن التراجع مدفوعاً بالقرار نفسه، بل بالرسالة المصاحبة له التي كانت أقل تفاؤلاً مما توقعت الأسواق.

فقد وصف رئيس الفيدرالي، جيروم باول، الخطوة بأنها «إدارة للمخاطر» كرد فعل على «ضعف سوق العمل».

في الوقت نفسه، أكد أن التضخم «لا يزال مرتفعاً إلى حد ما». هذا التناقض بين ضعف سوق العمل وارتفاع التضخم يضع الفيدرالي في موقف «غير عادي» حيث يتناقض هدفه المزدوج المتمثل في استقرار الأسعار والحد الأقصى للتوظيف.

النبرة الحذرة التي تركت الباب مفتوحاً لتقلبات مستقبلية، والتركيز على النهج «اجتماعاً باجتماع»، أدّت إلى تبدد التوقعات المبالغ فيها بخفض سريع ومتتالٍ للفائدة، ما أدّى إلى موجة بيع واسعة.

ثانياً: عودة قوة الدولار الأميركي ودوره في الضغط على الذهب

تظهر البيانات التاريخية علاقة عكسية قوية وموثوقة بين قيمة الدولار الأميركي وسعر الذهب، وبما أن الذهب يُسعّر بالدولار فإن ارتفاع قيمة الدولار يجعله أكثر تكلفة لحاملي العملات الأخرى، ما يقلل الطلب عليه ويدفع سعره للانخفاض. قبل قرار الفيدرالي، كان ضعف الدولار أحد الدوافع الرئيسية لارتفاع الذهب.

مباشرة بعد قرار الفيدرالي، شهد مؤشر الدولار (DXY) ارتفاعاً ملحوظاً.

هذا الارتفاع لم يكن حدثاً مستقلاً، بل كان نتيجة مباشرة للرسالة الحذرة للفيدرالي، عندما خفّض الفيدرالي توقعاته لعدد التخفيضات المستقبلية، فإن ذلك يعني أن أسعار الفائدة الأميركية ستبقى مرتفعة فترة أطول مما كان متوقعاً، ما يعزّز جاذبية الدولار كعملة عالية العائد مقارنة بالعملات الأخرى.

هذا التحول في تفضيلات المستثمرين من الذهب إلى الدولار كان له تأثير سلبي في أسعار الذهب وشكّل ضغطاً إضافياً على قيمته.

ثالثاً: جاذبية عوائد السندات الحكومية.. المنافس الشرس للذهب

توفّر السندات الحكومية عوائد ثابتة. لذلك، عندما ترتفع عوائد السندات، ترتفع «تكلفة الفرصة» لحيازة الذهب، ما يقلل جاذبيته ويدفع رؤوس الأموال للتحول إلى السندات.

ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.07% بعد قرار الفيدرالي.

هذا الارتفاع لم يكن سوى انعكاس فوري للتوقعات الجديدة التي أرسلها الفيدرالي.. عندما أشار الفيدرالي إلى خفض واحد فقط للفائدة عام 2026 بدلاً من خفضين أو ثلاثة كما كانت تتوقع الأسواق، فهذا يعني أن أسعار الفائدة على المدى الطويل ستبقى عند مستويات أعلى، ما يجعل السندات طويلة الأجل أكثر جاذبية.

هذا التحول في التوقعات رفع من عوائد السندات، ما أدّى إلى سحب رؤوس الأموال من سوق الذهب إلى سوق السندات، وهو ما يفسّر جزءاً كبيراً من الضغط البيعي الذي شهده الذهب.

بالنهاية يبقى السؤال: الذهب إلى أين؟

تُظهر توقعات المؤسسات المالية العالمية الكبرى إجماعاً متزايداً على أن الارتفاع الأخير لم يكن مجرد فقاعة، وأن الاتجاه الصعودي للذهب سيستمر على المدى الطويل. على الرغم من التراجع الأخير، تُشير التوقعات إلى آفاق صعودية كبيرة:

جيه بي مورغان (J.P. Morgan):

يتوقع أن يبلغ متوسط سعر الذهب 3,675 دولاراً للأونصة بحلول الربع الأخير من عام 2025، وأن يرتفع إلى 4,000 دولار بحلول الربع الثاني من عام 2026.

دويتشه بنك (Deutsche Bank):

رفع توقعاته لتصل إلى 4,000 دولار عام 2026، مستشهداً بـ«المخاوف الاقتصادية العالمية المستمرة، والضغوط التضخمية، وزيادة مشتريات البنوك المركزية».

تستند هذه التوقعات طويلة المدى إلى العوامل الأساسية مثل (طلب البنوك المركزية، والمخاطر الجيوسياسية، والتضخم) وليس على التقلبات قصيرة الأجل.

ويعد وجود مثل هذه التوقعات القوية من مؤسسات رائدة يؤكد أن تراجع الذهب الأخير يُنظر إليه كـ«تصحيح صحي» أو «فرصة للشراء عند الانخفاضات».