هل يستفيد الجنيه المصري من تراجع الفائدة الأميركية؟

هل يستفيد الجنيه من تراجع الفائدة الأميركية؟ (شترستوك)
هل يستفيد الجنيه المصري من تراجع الفائدة الأميركية؟
هل يستفيد الجنيه من تراجع الفائدة الأميركية؟ (شترستوك)

أعلن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يوم الأربعاء 17 سبتمبر أيلول 2025 خفضاً في سعر الفائدة قدره رُبع النقطة المئوية ليصبح نطاق الفائدة بين 4% و4.25%، ما يعكس تباطؤاً ملحوظاً في النمو الأميركي واستمرار تضخم أعلى من الهدف.

آفاق الاقتصاد المصري بعد  قرار الفيدرالي الأميركي

يُشكّل قرار الفيدرالي مؤشراً مهماً بالنسبة للاقتصاد المصري، فالحالة المعيارية تشير إلى أن ضعف الدولار قد يمنح الجنيه المصري مجالاً للارتداد، خاصة مع استقطاب عوائد الاستثمار في أذون الخزانة والسندات الحكومية المصرية العالية نسبياً.

في الأشهر الأخيرة قام البنك المركزي المصري بتسيير السياسات النقدية؛ فقد خفّض في أغسطس أب 2025 أسعار الفائدة بمعدل 200 نقطة أساس من 24% إلى 22% للإيداع، تزامناً مع تسجيل التضخم تراجعاً إلى نحو 13.9% في يوليو تموز بعدما بلغ 14.9% في يونيو حزيران.

منذ أكتوبر تشرين الأول 2022 حتى سبتمبر أيلول 2025، اتسعت الفجوة بين أسعار الفائدة في مصر والولايات المتحدة بشكل لافت.

فقد رفع البنك المركزي المصري سعر العائد على الإيداع من 13.25% في أكتوبر تشرين الأول 2022 إلى ذروة 27.25% في مارس آذار 2024، مقابل استقرار الفائدة الفيدرالية الأميركية عند 5.5% في الفترة نفسها.

وقد أسهمت الفجوة التي قاربت 22 نقطة مئوية في مارس/آذار 2024 في جعل السوق المصرية من أبرز وجهات تجارة العائد (Carry Trade) عالمياً، وهو ما ساعد جزئياً في جذب تدفقات الأموال الساخنة إلى أدوات الدين المحلية.

منحت هذه المعطيات المركزي المزيد من المساحة للخفض التدريجي، ويتوقع المحللون أن يخفض الفائدة بمعدل إضافي لا يقل عن 50-100 نقطة أساس على مدى الأشهر المقبلة.

في هذا الإطار، قد يترجّم الخفض الأميركي مؤقتاً إلى ضغوط أقل على صرف الدولار مقابل الجنيه، وترتفع أدوات الدين المصرية بالجنيه طلباً من المستثمرين الأجانب بفعل فرق العائد الكبير مع سندات الخزانة الأميركية.

فقد بلغ عائد أذون الخزانة المصرية لأجل عام نحو 26% مقابل أقل من 5% في الولايات المتحدة، ما يشير إلى أن الجنيه قد يحظى بدعم ظرفي أمام الدولار.

مع ذلك، فإن مثل هذه التدفقات الرأسمالية «السريعة» تحافظ على هشاشة الجو الكلي، فكما يشير بعض المحللين، فإن الأموال الساخنة تغادر الأسواق بسرعة حال أي اضطراب في الجنيه أو زيادة في التضخم.

ولهذا السبب يؤكد البنك المركزي ضرورة حفظ استقرار سعر الصرف وتعزيز الاحتياطيات لضمان استمرار جذب هذه التدفقات دون مخاطر فائقة.

ومن الجوانب المتصلة بذلك، فإن المؤشرات على صعيد الاحتياطي الأجنبي مطمئنة، ففي أغسطس آب 2025 ارتفع صافي الاحتياطي الأجنبي في مصر إلى مستوى قياسي جديد بلغ 49.25 مليار دولار، مقابل 49.04 مليار في يوليو تموز.

يوفر هذا النمو السريع هامش أمان إضافي لدعم الواردات وتمويل الاحتياجات الأساسية، أما العجز في الحساب الجاري فقد تقلّص إلى نحو 5.4% من الناتج المحلي في نهاية السنة المالية الماضية، مدفوعاً أساساً بانتعاش قطاع السياحة وتضخم كبير في التحويلات الشخصية.

وتبعاً لذلك، يَرى بعض الاقتصاديين أن تواتر تدفقات الدخل الأجنبي وإدارة الإنفاق قد يوفّران فرصة لخفض العجز بدلاً من الضغط الإضافي على الاحتياطيات.

في ظل هذه المعطيات، يواجه الجنيه المصري سيناريوهات متعددة، فمن ناحية، يؤدي ضعف الدولار وضخ السيولة عالمياً إلى فرص فورية لتعزيز مركز الجنيه لدى المستثمرين، وقد ينعكس ذلك على السوق الرسمية ومعدلات العرض.

إلا أن البنك المركزي قد يحافظ على هامش ضيق من المرونة في سعر الصرف خوفاً من تقلبات مفاجئة، وتظل أي قفزة في الدولار احتمالية قائمة إن شكّلت هبوطاً مفاجئاً في توقعات النمو العالمي أو تراجع في حوافز الاستثمار الأجنبي.

مع كل قفزة في الاحتياطيات ترافقها مرونة أكبر في تحرك سعر الصرف، في مارس آذار2024، قفز سعر الصرف إلى 47.2 جنيه للدولار مع زيادة الاحتياطي إلى 40.4 مليار دولار.

أكد الرئيس التنفيذي للأكاديمية الاقتصادية بدبي، الدكتور محمد الغباري، لـCNN الاقتصادية، أن مع خفض سعر الفائدة الأميركي، أن الدولار قد يضعف نسبيّاً، خاصة مع تراجع الثقة فيه بسبب التدخل السياسي في استقلالية الفيدرالي الأميركي، ومحاولة التدخل المباشر من الرئيس الأميركي ترامب للضغط على الفيدرالي من أجل خفض أكبر لمعدلات الفائدة.

هذا يعني أنه على المدى القريب هناك فرصة لأن يتحسّن الجنيه أو أن يتراجع الضغط على انخفاضه، إذا استمرت التدفقات الدولارية أو تحسنت الصادرات أو انتعشت السياحة أو استمرت تحويلات العاملين بالخارج.

ولكن من الناحية الأخرى، قد يستمر الضغط على الاحتياطيات إذا استمرت أزمة الدين الخارجي ولم تتم معالجتها عبر الاقتصاد الحقيقي، بدلاً من الاعتماد على الاقتصاد التمويلي الذي يقوم على الأموال الساخنة.

وبالتالي، إذا تزايد الطلب على الدولار في الداخل بسبب ارتفاع عمليات الاستيراد، فقد يُضطر البنك المركزي إلى استخدام الاحتياطي الأجنبي لتغطية الفجوة أو الدفاع عن الجنيه.

 مَن المستفيد الفعلي من خفض الفائدة عالمياً؟

أوضح الدكتور محمد الغباري، أن عادةً بشكل عام، عادةً ما تكون البنوك والأسواق المالية المستفيد الأول من خفض الفائدة عبر انخفاض تكلفة التمويل وزيادة شهية المخاطرة، بينما يستفيد الأفراد بشكل غير مباشر إذا انعكس ذلك على خفض كلفة القروض محلياً، بشرط بقاء التضخم تحت السيطرة.

أما الأسواق المالية، فينشط فيها البحث عن عوائد أعلى، سواء في الأسواق الناشئة أو الأسهم أو الأصول ذات المخاطر المرتفعة، إذ يحفّز خفض الفائدة شهية المخاطر إذا لم توجد صدمات سياسية أو اقتصادية.

كل ما نستطيع القيام بيه لحماية المدخرات

بالنسبة للمدخرين، تطرح هذه الظروف تساؤلاً حول الخيارات الأمثل، إذ تتفوق أدوات الدين قصيرة الأجل على الحسابات التقليدية حالياً من حيث العائد؛ فعائدها نحو 25-26% يتجاوز بمقدار 3-4 نقاط عوائد الادخار المصرفي.

لذلك قد يحثّ بعض الخبراء على تحويل جزء من المدخرات إلى سندات حكومية قصيرة الأجل للاستفادة من العائد المرتفع مع مراقبة مسار التضخم، ومع ذلك، فإن تنويع الأصول بين النقد والودائع العادية والسندات يبقى خياراً حكيماً لحماية المدخرات في ظل حالة من عدم اليقين في الاقتصاد.

ونصح الدكتور محمد الغباري، أن من الضروري أن ينظر المدخر إلى تنويع محفظته المالية وعدم الاعتماد على أداة واحدة فقط.

كما أنّ التفكير في الأصول التي تحمي من التضخم، كالذهب أو بعض السلع أو حتى العقارات، يُعد خياراً مهماً، إضافة إلى تنويع جزء من المدخرات بالعملات الأجنبية في حال ارتفاع مستوى المخاطر على الجنيه المصري.

أثر خفض الفائدة الأميركية على مسار الإصلاح في مصر

من ناحية السياسات والإصلاحات، يؤكد العديد من المراقبين أن على مصر استثمار فرصة تخفيف ضغوط التمويل الخارجية لتحسين الاقتصاد الداخلي.

فقد عزّز تحرير جزئي لسعر الصرف في مارس آذار 2024 من تصحيح الفجوة بين السوق الرسمية والموازية وسرّع إتمام طلبات الاستيراد المتأخرة.

ومن المتوقع أن يسمح خفض الفائدة العالمي للإدارة المصرية بإمكانية تخفيف الضغط على ميزانية الدولة عبر إتاحة تمويل أرخص جزئياً، وبالتالي توفير فرصة لدعم الاستثمارات الإنتاجية من دون تسريع التضخم.

مع ذلك، يُثمن المراقبون أهمية الاستمرار في تعزيز الإصلاحات الهيكلية الموعودة، فقد لاحظ تقرير حديث لصندوق النقد أن بعض الإصلاحات الأساسية مثل خصخصة الشركات المملوكة للدولة وفتح المجال للمنافسة في قطاعات حيوية تعثرت أو تأخرت.

فإذا ظل الاقتصاد «رهيناً» لفروق أسعار الفائدة بين الجنيه والدولار، فقد يستمر الاعتماد على رؤوس الأموال القصيرة الأجل المضاربية بدلاً من جذب استثمارات طويلة الأجل مستدامة.

لذا، يرى اقتصاديون أن التحدي الأكبر أمام مصر الآن هو الموازنة بدقة بين خفض تكلفة الاقتراض المحلي لدعم النمو، وبين مواصلة العمل على تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز الموارد الذاتية.

أوضح الدكتور محمد الغباري، أن خفض الفائدة الأميركية يمنح مصر مساحة للتنفس، عبر تقليل تكلفة خدمة الدين الخارجي وإتاحة استيراد أقل كلفة، فضلاً عن تعزيز جاذبية أدوات الدين المحلية للمستثمرين الأجانب إذا ظل العائد المحلي مرتفعاً ومستقراً.

يمكن أن يُستغل هذا الهامش في تحفيز الاستثمار المنتج، سواء في التصنيع أو الزراعة أو البنية التحتية التي تخفض تكاليف الإنتاج واللوجستيات، وهو مسار بدأت فيه مصر بالفعل ويجب أن تواصل دعمه بالتوازي مع تشجيع التصدير.

في المقابل، يظل الحفاظ على الاستقرار الكلي أمراً لا غنى عنه، في ضبط السياسات النقدية والمالية لتجنّب موجات تضخمية أو خروج رؤوس الأموال، تأمين العملة والاحتياطيات الأجنبية، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية من ترشيد النفقات إلى زيادة دعم الصادرات.

بهذا التوازن فقط يمكن تحويل الظرف الدولي إلى فرصة حقيقية للنمو، ويخلص هؤلاء إلى أن قدرة مصر على تحقيق تنمية مستدامة ستتوقف على مدى استثمارها لفرصة التنفس الحالية لتهيئة الاقتصاد لنمو منتج ومستقر على المدى الطويل.