في عالمٍ تتقلب فيه الأسواق ويهتز فيه اليقين بالعملات، يعود الذهب إلى الواجهة كملاذٍ آمنٍ لا يعرف الإفلاس، فبينما تتسارع الدول الكبرى لتعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس، يُعيد المشهد المالي العالمي رسم موازينه على وقع سباقٍ محمومٍ نحو الأمان. وتتصدر الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا قائمة أكبر دول العالم امتلاكاً لاحتياطي الذهب، في وقتٍ تتزايد فيه مشتريات البنوك المركزية بوتيرة غير مسبوقة منذ عقود.
ووفقاً لأحدث بيانات مجلس الذهب العالمي الصادرة في أكتوبر 2025، بلغ إجمالي ما تحتفظ به
البنوك المركزية من الذهب نحو 36 ألف طن متري، وهو أعلى مستوى منذ مطلع الألفية، بعدما كثفت دولٌ كالصين وتركيا والهند مشترياتها في مواجهة اضطرابات الأسواق وتراجع الثقة بالدولار.
أكبر الدول امتلاكاً لاحتياطي الذهب في العالم
تتصدر الولايات المتحدة الأميركية المشهد كأكبر مالكٍ لاحتياطي الذهب عالميًا، بإجمالي 8133.5 طن، ما يعادل نحو 68% من إجمالي احتياطياتها الأجنبية، ويُخزن معظم هذا الذهب في «فورت نوكس»، القاعدة العسكرية الشهيرة التي تحولت إلى رمزٍ للقوة المالية الأميركية.
تليها ألمانيا التي تمتلك 3352 طناً، وتُعد أكثر دول أوروبا اعتماداً على الذهب كأصلٍ احتياطي، أما إيطاليا وفرنسا فتأتيان في المركزين الثالث والرابع باحتياطيات تبلغ 2451 و2436 طناً على التوالي.
وفي المركز الخامس، تواصل روسيا تعزيز مكانتها باحتياطي يبلغ 2326 طناً، رغم العقوبات الغربية، إذ اتخذت موسكو قراراً استراتيجياً بالتحول عن الدولار بعد أزمة القرم عام 2014، ثم
الصين باحتياطي يقدر بنحو 2303.2 طن.
الصين تتوسع بهدوء.. الذهب بديلاً للدولار
تمتلك الصين نحو 2302.3 طن من الذهب، وفق تقديرات مجلس الذهب العالمي، لكنها تشتري بوتيرة متزايدة منذ 2022، في محاولة لتقليل اعتمادها على الدولار في احتياطياتها.
وتواجه بكين بعض الانتقادات بأنها لا تفصح بالكامل عن حجم ما تملكه فعلياً، إذ يُعتقد أن احتياطياتها الحقيقية تتجاوز 3 آلاف طن إذا ما شملنا مشتريات بنك الشعب الصيني غير المعلنة.
والهدف واضح هو تنويع الأصول وتقوية اليوان في مواجهة هيمنة الدولار الأميركي، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية مع واشنطن.
أكبر مخزون ذهب في العالم
يبقى السؤال: من يملك أكبر «خزانة ذهب» فعلية في العالم؟ الجواب هو الولايات المتحدة، التي تُخزّن معظم ذهبها في منشأة فورت نوكس بولاية كنتاكي، إذ تُقدّر قيمته السوقية بأكثر من 650 مليار دولار، وفق الأسعار الحالية.
ويليها في حجم المخزون ألمانيا، التي تحتفظ بجزء من ذهبها داخل أراضيها وآخر في نيويورك ولندن لضمان التنويع اللوجستي.
لكن الجديد أن دولاً مثل الصين وتركيا والهند بدأت تُعيد نقل ذهبها من الخارج إلى داخل حدودها، تجنباً لأي قيود مالية مستقبلية محتملة من الغرب في مؤشر على تصاعد «الحرب الصامتة على الذهب».
أكبر دولة منتجة للذهب
تُعد الصين أكبر منتج للذهب في العالم منذ أكثر من عقد، بإجمالي إنتاج سنوي يتجاوز 370 طناً، تليها أستراليا بإنتاج يقارب 310 أطنان، ثم روسيا بنحو 290 طناً، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.
وفي الشرق الأوسط، تأتي السودان والسعودية في مقدمة الدول المنتجة إقليمياً، إذ يتجاوز إنتاج السودان 90 طناً سنوياً رغم التحديات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها.
أكبر الدول العربية امتلاكاً لاحتياطي الذهب
عربياً، تتصدر المملكة العربية السعودية المشهد
كأكبر دولة عربية تمتلك احتياطي ذهب رسمي، إذ يحتفظ البنك المركزي السعودي (ساما) بنحو 323 طناً من الذهب، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي لشهر سبتمبر 2025.
يليها لبنان باحتياطي قدره 286.8 طن، ثم الجزائر باحتياطي يقارب 174 طناً، ويحل العراق في المركز الرابع باحتياطي يقارب 163 طناً، ثم ليبيا بواقع 146.7 طن، ثم مصر التي ارتفع احتياطيها إلى نحو 129 طناً بعد عمليات شراء متواصلة خلال العامين الماضيين.
احتياطي السعودية من الذهب
يشكل احتياطي الذهب السعودي جزءاً من استراتيجية «رؤية 2030» لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، كما تُعد السعودية أيضاً من أبرز المنتجين الإقليميين للذهب، بفضل توسع مناجم مثل «مهد الذهب» و«الصخيبرات»، ما يعزز مكانتها كمركز استراتيجي في سوق المعادن الثمينة.
لماذا تملك بعض الدول العربية ذهباً لكنها فقيرة اقتصادياً؟
رغم امتلاك دولٍ مثل لبنان والسودان وليبيا احتياطيات معتبرة من الذهب، فإن الأوضاع الاقتصادية فيها تظل هشّة، والسبب بسيط لكنه جوهري؛ فالذهب لا يصنع النمو وحده.
في لبنان مثلاً، يمتلك المصرف المركزي نحو 286.8 طن من الذهب بنهاية الربع الثاني من عام 2025، وهو ثاني أكبر احتياطي عربي، لكنه عاجز عن استخدامه لتغطية الديون أو دعم العملة بسبب القوانين التي تمنع المساس به إلا بقرار من البرلمان.
أما في السودان، فرغم وفرة المناجم، تعاني البلاد من ضعف البنية التحتية وتفشي تهريب الذهب، إذ يُقدَّر أن أكثر من نصف الإنتاج يخرج من البلاد بطرق غير رسمية، ما يحرم الاقتصاد من عوائده الحقيقية.
دول بلا احتياطي ذهب رسمي.. كندا والنرويج نموذجاً
رغم السباق العالمي نحو تعزيز احتياطيات الذهب كملاذ آمن ضد التضخم وتقلبات العملات، فإن بعض الدول المتقدمة لا تحتفظ بأي كميات رسمية من المعدن النفيس، مفضّلةً الاعتماد على العملات الأجنبية والسندات الحكومية، ومن أبرز تلك الدول كندا والنرويج، اللتان اختارتا نهجًا مختلفًا في إدارة أصولهما الاحتياطية.
في كندا، انتهى عهد الذهب رسمياً منذ عام 2016، حين أعلنت وزارة المالية بيع آخر ما تبقّى من احتياطياتها الذهبية، لتصبح الدولة الوحيدة ضمن مجموعة السبع التي تمتلك صفر طن من الذهب في احتياطياتها.
هذا القرار جاء ضمن سياسة تهدف إلى تقليص تكاليف التخزين والتأمين وتنويع الاحتياطي في أصول أكثر سيولة كالعملات الأجنبية والسندات، وتشير بيانات وزارة المالية الكندية و«مجلس الذهب العالمي» إلى أن كندا تعتمد بالكامل على الدولار الأميركي والأصول الحكومية المستقرة ضمن احتياطياتها الرسمية.
أما النرويج فقد اتخذت مساراً مشابهاً حين قرر بنكها المركزي في منتصف العقد الأول من الألفية بيع معظم مخزون الذهب الذي كان بحوزته، محتفظًا فقط ببعض العملات والمقتنيات لأغراض متحفية.
ومنذ ذلك الحين، تُسجّل النرويج في تقارير مجلس الذهب العالمي عند مستوى صفر طن من الاحتياطي الرسمي، رغم أنها واحدة من أغنى الاقتصادات وأكثرها استقراراً في العالم بفضل إيرادات النفط وصندوقها السيادي الضخم.
تعكس التجربتان الكندية والنرويجية أن امتلاك الذهب ليس شرطاً لازماً لقوة الاقتصاد، بل هو قرار استراتيجي يعتمد على مزيج من السياسات المالية والهيكل الاقتصادي، ومدى ثقة الدولة بعملتها وأدواتها المالية.
سباق البنوك المركزية نحو الأمان
يشهد العالم حالياً «عصر الذهب الجديد» مع تصاعد المخاوف من التضخم والديون السيادية، ففي عام 2024 وحده، اشترت البنوك المركزية عالمياً أكثر من 1150 طناً من الذهب، ثاني أعلى مستوى شراء في التاريخ، وفق تقرير مجلس الذهب العالمي.
وتتصدر الصين وتركيا وبولندا والهند قائمة أكبر المشترين، في حين لم تقم أي من الاقتصادات الكبرى بعمليات بيع تُذكر خلال العام ذاته.
وتاريخياً، ارتبط الذهب بفترات الاضطراب المالي، إذ يميل المستثمرون إلى شرائه عند تراجع الثقة بالعملات أو ارتفاع التضخم.
واليوم، بعد عقدٍ من السياسات النقدية الميسرة وارتفاع الديون إلى مستويات قياسية، أصبح الذهب مجدداً «لغة الثقة الأخيرة» بين الحكومات والمستثمرين.
ويرى الاقتصاديون أن استمرار الاتجاه الحالي قد يعيد تشكيل النظام المالي العالمي خلال العقد المقبل، مع تزايد دور الذهب في تسعير العملات وتحديد قيمة الاحتياطيات الدولية.
أسئلة شائعة حول احتياطي الذهب العالمي
كم يبلغ إجمالي احتياطي الذهب في العالم؟
نحو 36 ألف طن متري موزعة بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية الكبرى.
ما الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي من الذهب في العالم؟
الولايات المتحدة الأميركية، باحتياطي يبلغ 8133.5 طن بنهاية الربع الثاني من عام 2025، وفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي.
من أكبر المشترين للذهب حالياً؟
تتصدّر الصين وتركيا والهند وبولندا قائمة أكبر مشتري الذهب في 2024–2025، إذ تواصل بنوكها المركزية تعزيز احتياطياتها لمواجهة تقلبات الدولار وحماية عملاتها من الضغوط التضخمية.
ما الفرق بين الإنتاج وامتلاك الاحتياطي؟
الإنتاج هو ما تُنتجه المناجم في الدولة، أما الاحتياطي فهو ما تحتفظ به الدولة فعلياً في خزائنها الرسمية، وبعض الدول قد تكون من كبار المنتجين لكنها لا تحتفظ بكل إنتاجها في خزائنها الرسمية.
هل يمكن لأي دولة بيع احتياطيها من الذهب؟
نعم، لكن غالبية البنوك المركزية تتجنب البيع إلا في حالات الضرورة القصوى، لأن الذهب يُعد ضماناً طويل الأمد للاستقرار النقدي.
هل يمكن استخدام الذهب في إنقاذ الاقتصاد؟
ليس دائماً، فالذهب يمكن أن يُستخدم كأداة دعم أو ضمان، لكنه لا يعالج المشكلات الهيكلية مثل العجز المستمر أو الفساد أو هروب رؤوس الأموال، كما يبيّن مثال دولة لبنان.
هل هناك دول لا تمتلك أي احتياطي من الذهب؟
نعم، هناك دول باعت كامل احتياطيها من الذهب مثل كندا والنرويج، فضلاً عن بعض الاقتصادات الصغيرة أو الدول النفطية الجديدة التي لا تحتفظ بكميات رسمية من الذهب وتعتمد كلياً على العملات الأجنبية في احتياطياتها.
كيف تُحدد قيمة احتياطي الذهب؟
تُحتسب وفقاً لسعر الأونصة في الأسواق العالمية، والذي يتغير يومياً، في أكتوبر 2025 تجاوز سعر الأونصة 4000 دولار، مسجلاً أعلى مستوياته التاريخية على الإطلاق.
ما العلاقة بين الذهب والدولار؟
تربط الذهب والدولار علاقة عكسية في الغالب؛ فعندما يضعف الدولار يرتفع الذهب لأن المستثمرين يتجهون إليه كملاذ آمن يحافظ على القيمة الشرائية. لكن هذه العلاقة ليست ثابتة دائماً، إذ يمكن أن يرتفعا معاً في فترات الأزمات أو يتراجع الذهب رغم ضعف الدولار، تبعاً لعوامل مثل أسعار الفائدة، والتضخم، وسياسات الاحتياطي الفيدرالي، ما يجعلها علاقة متغيرة أكثر من كونها مطلقة.