بين مشروع قانون أميركي جديد لإعادة تنظيم سوق الأصول الرقمية، وحديث سابق للبيت الأبيض عن تكوين احتياطي استراتيجي من البيتكوين، تتبدل علاقة واشنطن بالعملات المشفرة من جذورها.
ما الذي حدث؟ مسودة تشريعية طال انتظارها
أصدرت لجنة الزراعة في مجلس الشيوخ مسودة نقاش لجزئها من مشروع قانون هيكلة سوق العملات الرقمية؛ خطوة تقرب المجلس من تمرير إطار شامل ينظم هذا القطاع سريع النمو.
صاغ المسودة رئيس اللجنة الجمهوري جون بوزمان مع السيناتور الديمقراطي كوري بوكر، وتضمنت فقرات بين أقواس لا تزال محل تفاوض، بما في ذلك تعريفات أساسية، ما يعكس أن أمام المشرعين «عُقداً» تقنية وسياسية لحلها قبل الصيغة النهائية، وفق صحيفة بوليتيكو.
لماذا لجنة الزراعة؟
لأنها تشرف على هيئة تداول السلع والعقود الآجلة الأميركية، التي سيُمنَح لها اختصاص موسع لتنظيم عملات رقمية سلعية مثل البيتكوين والإيثيريوم وفق المقترح، بينما تتولى هيئة الأوراق المالية (SEC) شق الأوراق المالية الرقمية.
ماذا يعني ذلك للمستخدم العادي والمؤسسات؟
تنشئ المسودة «حواجز حماية» وقواعد واضحة للراغبين في التعامل المؤسسي مع الأصول الرقمية، من البيتكوين والإيثيريوم إلى الأدوات المرمزة، وتمثل «خارطة طريق مؤسسية» لدمج الأصول الرقمية في الأعمال عبر قواعد امتثال محددة خطوة بخطوة.
خمس نقاط مفصلية في المسودة
1. تصنيف البيتكوين والإيثيريوم كـ«سلع رقمية» تحت مظلة هيئة تداول السلع والعقود الآجلة الأميركية، ما يزيل عقبة رئيسية أمام أقسام الامتثال والمخاطر في المؤسسات ويمنحها مرجعية قانونية اتحادية لاتخاذ قرارات تخصيص استثماري رسمي.
2. فصل الأنشطة ومنع تضارب المصالح: إلزام الشركات بفصل الحوكمة والموظفين والموارد بين الكيانات التابعة حين تؤدي وظائف منظمة مختلفة (بورصة/ وسيط/ حافظ أمين/ تداول لحسابها)، بما يحد من نموذج «الكل في واحد» الشائع في منصات الكريبتو.
3. تعزيز دور هيئة تداول السلع والعقود الآجلة الأميركية: تمكينها من وضع قواعد مشتركة مع هيئة الأوراق المالية وإسناد اختصاصات أوسع لها على صناعة الأصول الرقمية.
4. رسوم إشراف وتمويل: السماح بتحصيل رسوم على الكيانات المنظمة لتمويل التسجيل والرقابة والتثقيف.
5. معايير إدراج صارمة: قصر التداول على «السلع الرقمية غير القابلة للتلاعب بسهولة» للحد من الاحتيالات وعمليات «rug pulls» وبناء ثقة سوقية.
بين السياسة والمصالح.. مقاعد شاغرة ومخاوف من الانحياز
تكمن المفارقة في أن لجنة مفوضي هيئة تداول السلع والعقود الآجلة الأميركية المصممة لتكون خماسية ثنائية الحزب لديها حالياً عضو واحد فقط، وهي الرئيسة بالإنابة كارولاين فام، والمتوقع أن تغادر عند تثبيت مرشح الرئيس دونالد ترامب لرئاستها مايك سيليغ؛ فيما لم تسمّ الإدارة بعد مفوضين آخرين من الحزبين.
وضغط بوكر على مسؤول البيت الأبيض عن ملفي الكريبتو والذكاء الاصطناعي، ديفيد ساكس، بشأن تعيين ديمقراطيين في المفوضية، معبراً عن قلقه من «نقص الموارد والتمثيل الثنائي ومنع التحكيم التنظيمي وفساد المسؤولين، وهل وضع الكونغرس الحواجز الصحيحة لمنع ذلك، بحسب صحيفة بوليتيكو.
وتعكس هذه المخاوف أيضاً تشابكات عائلة ترامب مع قطاع الكريبتو، إذ أطلق الأبناء شركة كريبتو العام الماضي، بينما الرئيس نفسه أصدر عملة «ميم».
تضارب المصالح في بؤرة التشريع الجديد
تتضمن المسودة لغة (بين أقواس) تلزم هيئة تداول السلع والعقود الآجلة الأميركية بإصدار قاعدة تنظم تحديد وتخفيف وحل تعارض المصالح لدى الشركات والأفراد المسجلين، بما يشمل أسواقاً «متكاملة رأسياً» ووظائفها المختلفة.
أين يقف المشروع زمنياً؟
رغم التقدم، قد يتأخر نظر اللجان حتى الشهر المقبل بعد انقضاء الإغلاق الحكومي، لإتاحة وقت لفهم التعديلات، بعدما كان الهدف «تصويت لجنة الزراعة» قبل الأسبوع التالي.
ويؤكد بوزمان «نلتزم مطلع ديسمبر.. فقدنا بعض التقدم بسبب الإغلاق»؛ فيما يرى داعمو الصناعة أن التعاون بين لجنتي الزراعة والمصارف ضروري لتقديم إطار شامل وتثبيت دور أميركا كقائد عالمي في الأصول الرقمية، وفق تقرير لبلومبيرغ.
ترامب واحتياطي البيتكوين.. من الفكرة إلى الاستراتيجية
في موازاة المسار التشريعي، برزت على طاولة السياسات الكلية فكرة إنشاء «احتياطي استراتيجي من العملات المشفرة» على غرار «الاحتياطي البترولي»، مع تركيز مرجح على البيتكوين؛ وهي مبادرة أعلن عنها الرئيس ترامب كمقترح قيد البحث، دون تفاصيل نهائية بعد، بحسب LSEG.
إدخال البيتكوين في السردية المالية للدولة يبدل صورته من أصل مضاربي إلى أصل يناقش كأداة تحوط وطنية، لكنه يظل عالي التقلب؛ أي أنه رهان محسوب على تبنٍ عالمي أوسع للأصول الرقمية وليس ملاذاً آمناً تقليدياً بالمعنى المألوف للذهب والسندات.
البرازيل تنظم.. وتفكر في «احتياطي بيتكوين» أيضاً
وفي الاتجاه نفسه، تخطو البرازيل خطوات مشابهة، إذ قرر البنك المركزي إخضاع جميع شركات الأصول الرقمية لرقابة مصرفية صارمة ابتداء من فبراير شباط 2026.
وخلال عام واحد، سجلت البلاد تعاملات بنحو 319 مليار دولار، ما يجعلها خامس أكبر سوق كريبتو في العالم.
كما يناقش البرلمان خطة RESBit لتخصيص 19 مليار دولار لشراء بيتكوين ضمن احتياطيات الدولة، في إشارة إلى أن فكرة «بيتكوين كاحتياطي وطني» تتجاوز حدود واشنطن.