تحدت الأسواق الناشئة الرسوم الجمركية والحروب التجارية والاضطرابات العالمية، محققةً عوائد استثنائية في عام 2025، ويتوقع المستثمرون تكرار هذا الأداء في العام المقبل. أدت سنوات من الخيارات المالية الصعبة، وقرارات البنوك المركزية الصائبة، إلى جعل الدول التي كانت تُعتبر محفوفة بالمخاطر تبدو أكثر استقراراً، على العكس من التحديات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة ودول أوروبا، التي تعاني من تزايد التشرذم الجيوسياسي.
قالت إلينا ثيودوراكوبولو، المديرة العامة لشركة مانوليف لإدارة الاستثمارات: «هناك العديد من العوامل الإيجابية التي استفدنا منها هذا العام، ومن المتوقع أن نواصل الاستفادة في العام المقبل»، مشيرةً إلى «مزيج من السياسات الجيدة والحظ الجيد»، للأسواق الناشئة.
بعيداً عن أميركا
أدت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض إلى حالة من عدم اليقين، ما يدفع المستثمرين عادةً إلى اللجوء إلى ملاذات آمنة مثل سندات الخزانة الأميركية أو الدولار، لكن الأمر مختلف هذه المرة.
في الوقت نفسه أدت التعريفات الجمركية الأميركية المتقلبة وهجمات ترامب على رئيس الاحتياطي الفيدرالي إلى تغيير المشهد، والتنفير من الملاذات الآمنة الأميركية، ما جعل الأسواق الناشئة أكثر استقراراً مقارنةً بالواقع الأميركي، والنتيجة أن البعض استغل الانخفاض الكبير في قيمة الأصول الأميركية الناجم عن إعلان ترامب تعريفات «يوم التحرير» في أبريل نيسان لاقتناص الفرص في الأسواق الناشئة.
يقول توماس هوغارد، مدير المحافظ الاستثمارية في شركة جانوس هندرسون إنفستورز: «شهدنا تزايداً في توجه المستثمرين نحو تنويع محافظهم الاستثمارية بعيداً عن الولايات المتحدة».
وأضاف هوغارد أن ديون الأسواق الناشئة كانت تعاني من سنوات من التدفقات الخارجة، لكن في 2025 شهدت هذه الأسواق إقبالاً ملحوظاً بعد تغييرات جذرية على مستوى العديد من الدول.
تحرر الأسواق الناشئة
تحوّلت تركيا إلى سياسات اقتصادية متحفظة في منتصف عام 2023، وألغت نيجيريا الدعم وخفضت قيمة النيرة، وواصلت مصر الإصلاحات المدعومة من صندوق النقد الدولي.
وشهدت غانا وزامبيا وسريلانكا تحسن في التصنيف الائتماني، بعد أن تعرضت نفس الدول الثلاث إلى حالات تعثر عن السداد خلال السنوات الماضية.
أسهمت الإصلاحات في تغيير مسار التدفقات النقدية، من الاتجاه خارج الأسواق الناشئة إلى داخلها.
يقول المستثمرون إن الخيارات الصعبة التي اتخذتها العديد من حكومات الأسواق الناشئة قد أتت ثمارها، ممهدةً الطريق لنمو قوي في عام 2026.
قالت جوليا بيليغريني من شركة أليانز غلوبال إنفستورز: «إن الدول الناشئة قادرة الآن على تحمل الصدمات بعد أن أصبحت اقتصاداتها تعتمد على أسس أقوى».
يشير المحللون أيضاً إلى استمرار تحسن التصنيف الائتماني (الصافي) للعام الثاني على التوالي للأسواق الناشئة، كدليل على استمرار الإصلاحات.
قال جيمس لورد، الاستراتيجي في مورغان ستانلي: «تتحسن المؤشرات الأساسية لأصول هذه الدول، خاصةً الائتمان السيادي».
ملاذات آمنة جديدة
قال المستثمرون إنه على الرغم من تعرض الاحتياطي الفيدرالي لانتقادات، فقد أظهرت البنوك المركزية في الأسواق الناشئة استقلالية وحكمة في صنع السياسات.
قال تشارلز دي كوينسوناس، رئيس قسم ديون الأسواق الناشئة في شركة إم آند جي: «في ما يتعلق بالسياسة النقدية، ربما تكون المصداقية في الأسواق الناشئة عند أعلى مستوياتها على الإطلاق».
وأضاف: «لقد خفضوا أسعار الفائدة، بل وسبقوا الاحتياطي الفيدرالي في ذلك، لكنهم لم يبالغوا في الخفض، ما ساعد عملات هذه البلاد على الحفاظ على مرونتها».
وأسهمت السياسة النقدية الحكيمة في تفوق أداء عملات الأسواق الناشئة، في حين تراجع الدولار.
وكان هذا دافعاً قوياً لاهتمام المستثمرين بسندات العملات المحلية في الأسواق الناشئة، والتي حققت عوائد بنحو 18% هذا العام، وقال مستثمرون مثل بيليغريني من شركة أليانز إن سندات الأسواق الناشئة قد تواصل النمو «من خانتين» مجدداً في عام 2026.
حتى حالة عدم اليقين المحيطة بالانتخابات والتي غالباً ما تُثير قلق المستثمرين، تُشكل في الواقع فرصةً للبعض.
قالت بيليغريني: «إن التغييرات الطفيفة المحتملة في السياسات مجرد تحركات سوقية تُولِد فرصاً لنا».
الخطر الأميركي
لا يزال الخطر الأكبر يكمن في الولايات المتحدة، التي إن دخلت في ركود اقتصادي، فإن تقليص رأس المال سيضر بالأسواق الناشئة، وإذا رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، فسيتم دعم الدولار الأميركي ويعوق نمو الطلب على العملات المحلية في الأسواق الناشئة.
ويزيد تعيين ترامب رئيساً جديداً لأكبر بنك مركزي في العالم، بعد أشهر من الآن، حالة عدم اليقين.
لكن حتى هذا لم يعد يُشكِل الخطر الذي كان يخلقه سابقاً.
قال كوينسوناس: «في جوهر الأمر، أصبحت الأسواق الناشئة أقل حساسية اقتصادياً للولايات المتحدة مما كانت عليه في أي وقت مضى».
التفاؤل المُفرط
التفاؤل المفرط، لا التشاؤم، هو ما يدفع المحللين إلى الحرص والحذر، أو إعادة النظر في قراراتهم الآن.
أظهر استطلاع HSBC لمعنويات الأسواق الناشئة، الذي نُشر في ديسمبر، اختفاء النظرة التشاؤمية تجاه آفاق هذه الأسواق تماماً، حيث بلغ صافي المعنويات أعلى مستوى له في تاريخ الاستطلاع.
قال ديفيد هونر، رئيس استراتيجية الدخل الثابت للأسواق الناشئة العالمية في قسم الأبحاث العالمية ببنك أوف أميركا، إنه لم يصادف عميلاً واحداً لديه نظرة سلبية تجاه الأسواق الناشئة، على الرغم من تواصله مع أكثر من 100 عميل في الأسابيع الأخيرة.
قال هاونر: «الجميع ينظر للأمور بإيجابية، ويشير التاريخ إلى ضرورة توخي الحذر عندما يتفق الجميع على اتجاه السوق».
(رويترز)