يحمل مسؤولو البيت الأبيض المدعية العامة الأميركية في واشنطن العاصمة، جانين بيرو، مسؤولية التحقيق الجنائي الذي يجريه مكتبها مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، متهمين إياها بمفاجأتهم بتحقيق أجبر الإدارة على خوض حملة مطولة لاحتواء الأضرار، وفقاً لما أفاد به أربعة أشخاص مطلعين على الأمر لشبكة CNN. قد أثار ظهور التحقيق الجنائي في وقت سابق من هذا الأسبوع دهشة واستياء كبار المسؤولين داخل البيت الأبيض، وسارع المسؤولون إلى تهدئة الأسواق وطمأنة المشرعين، والتأكيد على انعدام علاقة الرئيس دونالد ترامب بالتحقيق، على الرغم من أن ترامب نفسه كان من أشد منتقدي باول.
وأصدر باول نفسه بياناً لافتاً أكد فيه تلقي مكتبه مذكرات استدعاء من هيئة محلفين كبرى، واصفاً التحقيق بأنه محاولة من ترامب للضغط عليه لخفض أسعار الفائدة.
حتى وزير الخزانة في إدارة ترامب، سكوت بيسنت، أعرب عن استيائه من هذه الخطوة، كما انتقد العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين التحقيق، وتعهد أحدهم، السيناتور توم تيليس من ولاية كارولاينا الشمالية، بالامتناع عن التصويت على أي مرشح لخلافة باول طالما بقي التحقيق مفتوحاً.
وفي مقابلة مع شبكة إن بي سي نيوز، نفى ترامب علمه بالتحقيق، قائلاً: «لا أعرف شيئاً عنه، لكنه بالتأكيد ليس كفؤاً في إدارة الاحتياطي الفيدرالي، وليس كفؤاً في بناء المباني».
ولم يُبدِ ترامب نفسه أي علامات غضب واضحة تجاه بيرو في الأيام التي تلت الإعلان عن التحقيق، لكن في فعالية بالبيت الأبيض الأسبوع الماضي، ألقى ترامب محاضرة اتسمت في معظمها بالانتقاد لمجموعة من المدعين العامين الأميركيين، مُلمحاً إلى أن بعضهم على الأقل ضعيف وغير فعال، وقد وقعت هذه الحادثة قبل الإعلان عن استدعاءات باول.
كبح جماح ترامب
أعرب مساعدو ترامب وحلفاؤه بوضوح عن استيائهم الشديد من بيرو، التي شعروا أنها عرقلت الجهود المبذولة خلال الأشهر الماضية لكبح جماح هجمات الرئيس على باول، وأشار مساعدون أيضاً بأصابع الاتهام إلى بيل بولت، المسؤول البارز في قطاع الإسكان، وهو من أشد منتقدي باول، الذي كان يضغط من أجل إجراء تحقيق معه، بما في ذلك تقديمه مؤخراً لترامب ملصقاً «مطلوباً للعدالة» يحمل صورة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وفقاً لما ذكره مسؤول في البيت الأبيض ومصدر مطلع على الأمر.
وقالت بيرو، يوم الاثنين، إن مكتبها حاول التواصل مع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سابقاً، لكن تم تجاهله، ما استدعى اللجوء إلى الإجراءات القانونية، «وهو أمر لا يُعد تهديداً»، وأضافت: «نتحدث عن مليار دولار من تجاوزات التكاليف، وهو أمر يقع ضمن اختصاصي كمدعية عامة للولايات المتحدة للتحقيق فيه»، مُشيرةً إلى أن أمر الاستدعاء كان ضرورياً لحمل باول على الرد على استفسارها، وأضافت: «لو ردوا لما كنت هنا الآن».
ولطالما اشتكى ترامب من بطء باول في خفض أسعار الفائدة، منتقداً إياه لكبحه النمو الاقتصادي، ومتسائلاً في بعض الأحيان عن إمكانية إقالته، لكن مسؤولين كباراً، بمن فيهم بيسنت، نجحوا في إقناع ترامب بعدم اتخاذ أي إجراء ضد باول، بحجة أن ذلك سيؤدي إلى انهيار الأسواق، وأن ولاية رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي ستنتهي في مايو أيار على أي حال.
ومنذ ذلك الحين، كان بيسنت يُساعد في توجيه عملية اختيار مرشح ترامب الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تمهيداً للإعلان الرسمي خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
لكن التحقيق الذي تشرف عليه بيرو بشأن باول يُهدد الآن بتعقيد هذا الجدول الزمني، إذ يُلقي بظلال من الشك على إصرار الإدارة على احترامها لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي الراسخة.
تصعيد سريع
بعد بدء التحقيق مع باول في نوفمبر، أرسل مكتب بيرو رسالتين بريد إلكتروني إلى موظفي الاحتياطي الفيدرالي خلال عطلة ديسمبر، طالباً إجراء محادثات، وفقاً لمصدر مُطلع على الأمر، وصرحت بيرو على قناة فوكس نيوز بأن هاتين الرسالتين أُرسلتا في 19 و29 ديسمبر.
لكن في غضون أيام من إرسال هاتين الرسالتين الأوليين، اللتين لم يرد عليهما موظفو الاحتياطي الفيدرالي بعد، وجه مكتب بيرو أمر استدعاء إلى البنك المركزي.
دفع هذا الإجراء باول إلى إصدار رد مصور، وصف فيه التحقيق بأنه «غير مسبوق» و«نتيجة لتحديد مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بناءً على أفضل تقييم لدينا لما يخدم المصلحة العامة، بدلاً من اتباع تفضيلات الرئيس».
قال ستيفن مور، المستشار الاقتصادي السابق لترامب الذي لا يزال مقرباً من البيت الأبيض: «ربما يستحق الأمر التحقيق فيما إذا كان هناك تزوير، ولكن لماذا لا ننتظر حتى خروجه من منصبه؟»، وأضاف: «ليس من الصحي هذا النوع من التنافس المرير بين ترامب وباول».
هجوم مضاد
أتاح هذا الإجراء لباول فرصة للهجوم، فبعد تلقيه أمر الاستدعاء، قرر رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن الوضع خطير بما يكفي للكشف عنه علناً، وفقاً لمصدر مُطلع على الأمر.
وأثار الرد المصور موجة من الدعم من حلفائه من الحزبين، ووضع البيت الأبيض في موقف دفاعي على الفور.
وشمل هذا الرد السريع مجموعة من رؤساء الاحتياطي الفيدرالي ووزراء الخزانة السابقين من الحزبين، الذين قرروا التنديد بالتحقيق بشكل جماعي، وفقاً لأحد مؤيدي باول المشاركين في هذه الجهود.
وقد نُشر بيان دعم لباول، يوم الاثنين، وقعه جميع رؤساء الاحتياطي الفيدرالي السابقين الأحياء، بالإضافة إلى مجموعة من وزراء الخزانة السابقين ورؤساء مجلس المستشارين الاقتصاديين من الحزبين.
ووسط ردود الفعل الغاضبة، تساءل بعض مسؤولي ترامب علناً عما إذا كان باول سيقرر البقاء على عضويته في مجلس الاحتياطي الفيدرالي لفترة طويلة، بعد انتهاء ولايته كرئيس له، وهو قرار قد يمنع ترامب من شغل مقعده حتى عام 2028، وفقاً لما ذكره اثنان من المطلعين على الأمر.
(آدم كانكرين، وكريستين هولمز، CNN)