لم يكن قرار البنك المركزي الأوروبي بتثبيت أسعار الفائدة مفاجئاً، لكن توقيته جاء محمّلاً بإشارات مقلقة، في الوقت نفسه يقوى اليورو بينما تتراجع معدلات التضخم دون المستهدف، ما يضع صناع السياسة النقدية أمام معادلة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه الأرقام. قرار متوقع وسياق مختلف
أبقى البنك المركزي
الأوروبي، يوم الخميس، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2%، للمرة الخامسة على التوالي، وهو المستوى نفسه الذي استقر عنده منذ يونيو حزيران 2025، في إشارة واضحة إلى تمسكه بالحذر رغم التحولات السريعة في المشهدين النقدي والاقتصادي داخل منطقة اليورو.
وفي بيانه، أكد البنك أن اقتصاد منطقة اليورو لا يزال «مرناً» في مواجهة بيئة عالمية مضطربة، مشيراً إلى أن التضخم «من المتوقع أن يستقر» قرب مستهدفه البالغ 2% على المدى المتوسط.
اليورو القوي يقلق أكثر مما يطمئن
جاء
القرار بعد موجة صعود لافتة لليورو خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع صدور بيانات أظهرت تراجع التضخم في منطقة اليورو إلى 1.7% خلال يناير كانون الثاني، أي دون هدف البنك المركزي. هذا المزيج أعاد إلى الواجهة نقاشاً حساساً داخل الأسواق حول توقيت خفض الفائدة، حتى وإن تجنب البنك الإشارة إليه صراحة.
يحمل اليورو القوي وجهاً مزدوجاً؛ فمن جهة، يخفف كلفة الواردات ويضغط على الأسعار نزولاً، لكنه من جهة أخرى يضعف القدرة التنافسية للصادرات الأوروبية، لا سيما في اقتصادات تعتمد بقوة على التصدير مثل ألمانيا.
اقتصاد صامد لكن الضبابية مستمرة
يرى المركزي الأوروبي أن عوامل عدة لا تزال تدعم النمو، أبرزها انخفاض معدلات البطالة، وقوة ميزانيات القطاع الخاص، والتدرج في تنفيذ الإنفاق العام على الدفاع والبنية التحتية، إضافة إلى الأثر المتراكم لتخفيضات الفائدة السابقة.
ومع ذلك، حذّر البنك بوضوح من أن الآفاق الاقتصادية «لا تزال غير مؤكدة»، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وعدم وضوح مسار السياسات التجارية العالمية.
لم تغب الولايات المتحدة عن حسابات صناع القرار في فرانكفورت. فسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارية المتقلبة لا تزال مصدراً رئيسياً للقلق في أوروبا، خصوصاً بعد تهديده الشهر الماضي بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية على خلفية خلافات سياسية، قبل أن يتراجع لاحقاً.
عززت هذه الأجواء تقلبات أسواق العملات، وأسهمت في دفع المستثمرين إلى تقليص حيازاتهم من الدولار، ما أوصل اليورو إلى مستويات تجاوزت 1.20 دولار لفترة وجيزة، قبل أن يستقر قرب 1.18 دولار.
لا التزام بمسار ولا استعجال
جدد البنك المركزي الأوروبي تمسكه بنهجه المعتاد القائم على «الاعتماد على البيانات، واتخاذ القرار في كل اجتماع على حدة». وأكد أن مجلس المحافظين «لا يلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».
في السياق ذاته، أبقى بنك إنجلترا أيضاً على سعر الفائدة دون تغيير عند 3.75%، لكنه خفّض توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني خلال العامين الجاري والمقبل، في تباين يعكس اختلاف التحديات بين ضفتي القارة.