تواجه عملة بيتكوين ضغوطاً إضافية قد تدفعها إلى مزيد من التراجع، بعدما فقدت جميع المكاسب السعرية التي حققتها منذ انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظل توقعات باستمرار ضعف السيولة خلال الفترة المقبلة. وجاء هبوط بتكوين بالتزامن مع انخفاض أسعار الأصول الرقمية الأخرى، وسط مخاوف المستثمرين من تضخم تقييمات شركات التكنولوجيا، والغموض الذي يكتنف مسار خفض أسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
وقال توماس بروبست، محلل الأبحاث لدى شركة بيانات العملات المشفرة «كايكو»، إن «انكماش السيولة مستمر منذ عدة أشهر، ومن المرجح أن يستمر لبعض الوقت»، مضيفاً أن انخفاض السيولة يؤدي إلى تحركات سعرية أكثر حدة وتقلباً.
موجة بيع قوية
وشهدت المعادن النفيسة
والعملات المشفرة موجة بيع قوية في 30 يناير كانون الثاني الماضي، بعد إعلان ترامب تعيين كيفن وورش رئيساً جديداً للاحتياطي الفيدرالي، ما عزز توقعات تقليص الميزانية العمومية للبنك المركزي، وبالتالي تراجع الطلب على بتكوين، ومنذ ذلك الحين، تأرجحت أسعار الأصول الرقمية، إذ انخفضت بنحو 20% حتى إغلاق الخميس قبل أن تتعافى جزئيًا يوم الجمعة.
وخلال الأشهر الماضية، واجهت بتكوين ضغوطًا متعددة رغم صعودها الحاد عقب انتخاب ترامب في نوفمبر تشرين الثاني 2024، كما شهدت الأسواق في أكتوبر تشرين الأول أكبر موجة تصفية في تاريخ العملات المشفرة بعد إعلان تعريفات جمركية أميركية جديدة على الواردات الصينية، ما أدى إلى تآكل السيولة التي لم تتعافَ بالكامل حتى الآن.
وقال ديني جاليندو، استراتيجي الاستثمار في مورغان ستانلي ويلث مانجمنت، إن «الانهيار المفاجئ في الخريف كان بمثابة دبوس فجّر فقاعة الرافعة المالية».
ورغم أن السياسات الداعمة للعملات المشفرة في عهد ترامب دفعت بتكوين إلى مستوى قياسي تجاوز 125 ألف دولار في أكتوبر تشرين الأول الماضي، فإن الإجراءات المؤيدة للعملات الرقمية التي أُقرت في 2025 لم تمنع موجة الهبوط الأخيرة، إذ تراجعت العملة دون مستوى 61 ألف دولار الخميس، وهو أدنى مستوى منذ شهر قبل الانتخابات الأميركية.
مع ذلك، يرى بعض المحللين أن الأسوأ ربما أصبح خلفنا، وقال جيمس باترفيل، رئيس الأبحاث لدى شركة “كوين شيرز”، إن هناك مؤشرات على اقتراب السوق من القاع، مشيرًا إلى أن تباطؤ عمليات البيع من قبل “الحيتان” —أي المستثمرين الذين يمتلكون 10 آلاف بتكوين أو أكثر— قد يدفع بعض المستثمرين إلى شراء الانخفاضات.
سيولة ضعيفة وتقلبات مرتفعة
تراجعت عمق السوق (أي مدى قدرة السوق على تحمّل عمليات البيع والشراء دون تقلبات حادة في السعر) لبيتكوين بنسبة 1%، من أكثر من 8 ملايين دولار في 2025 إلى نحو 6 ملايين دولار بعد 10 أكتوبر تشرين الأول، ثم إلى نحو 5 ملايين دولار حالياً، وفق بروبست، ويعني ذلك أن الكميات المتاحة للتداول بالقرب من السعر الحالي تقلصت، ما يجعل حتى الأوامر الصغيرة قادرة على تحريك الأسعار بقوة.
وقال أندرو موس، رئيس أبحاث الأصول الرقمية لدى «جيفريز»، إن المشاركين في السوق يستعدون لمزيد من التقلبات على المدى القريب، مضيفًا أن المؤشرات الصعودية لا تزال محدودة.
ورغم أن العملات المشفرة تمثل جزءًا صغيرًا من الأسواق العالمية، فإن نقاط التقاطع بينها وبين النظام المالي التقليدي —مثل احتياطيات العملات المستقرة والأسهم المرتبطة بالعملات الرقمية وانكشاف البنوك— شهدت نموًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، كما أصبحت بتكوين أكثر ارتباطًا بأسواق الأسهم خلال فترات الضغط، ما يزيد حساسيتها للتطورات الاقتصادية الكلية والجيوسياسية.
تأثير ترامب على سوق العملات المشفرة
قفزت بتكوين بقوة بعد انتخاب ترامب، مع توقعات بأن تعيد إدارته صياغة سياسات الأصول الرقمية، بما في ذلك إنشاء احتياطي استراتيجي من بتكوين، كما يرتبط ترامب بعدة مشاريع في مجال العملات المشفرة، بينها عملة ميم تحمل اسمه ومشروع «وورلد ليبرتي فاينانشال» الذي تقوده عائلته.
وسارعت الإدارة الأميركية إلى تلبية بعض مطالب القطاع، من خلال تغيير نهج هيئة الأوراق المالية والبورصات وإقرار قانون لتنظيم العملات الرقمية المرتبطة بالدولار، إلا أن الخطوات الداعمة الإضافية لا تزال غير واضحة حتى الآن.
ورغم توقيع ترامب أمراً تنفيذياً لإنشاء احتياطي من بتكوين اعتماداً على العملات المصادرة ضمن قضايا قانونية، فإن الحكومة الأميركية لم تبدأ عمليات شراء واسعة، وهو ما خيّب آمال بعض المستثمرين الذين كانوا يتوقعون تحركاً أكبر لدعم السوق.