بعد يوم من رد الفعل الفاتر، بدأت وول ستريت، اليوم الثلاثاء، تتفاعل كما هو متوقع مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط: بالتراجع وانخفاض العقود الآجلة للأسهم الأميركية بنحو 2%. أمس الاثنين، ومع بدء المستثمرين تحليل نتائج الحرب مع إيران لأول مرة، ارتفعت أسعار النفط والذهب، بينما لم تتأثر الأسهم.
أنهى مؤشر ستاندرد آند بورز 500 اليوم دون تغيير رغم الصراع المحتدم في الشرق الأوسط، وأغلق مؤشر داو جونز منخفضاً بمقدار 73 نقطة فقط، أمس الاثنين، متعافياً من انخفاض بلغ 600 نقطة في بداية الأمر، بينما حقق مؤشر ستاندرد آند بورز مكاسب أقل من 0.1%.
لكن قبل أسبوع واحد فقط، تسبب تقرير يبحث كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في انخفاض مؤشر داو جونز بأكثر من 800 نقطة، نتيجة مخاوف المستثمرين من أن يؤثر الذكاء الاصطناعي سلباً في طريقة عمل مختلف القطاعات وربحيتها.
في المقابل، دفعت الحرب مع إيران المستثمرين للبحث عن ملاذات آمنة كالذهب، لكنها لم تؤثر بشكل كبير في توقعات أرباح الشركات.
يهتم مستثمرو سوق الأسهم في المقام الأول بأرباح الشركات وتوقعاتها المستقبلية، ورغم أن الصراعات الجيوسياسية قد تُثير حالة من عدم اليقين، إلا أن تركيز المستثمرين يبقى منصباً على أساسيات السوق التي لم تتأثر بشكل كبير حتى الآن.
يقول ديفيد ستابس، كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة ألفاكور للاستشارات المالية: «نعلم أنه عادةً، عندما يندلع صراع عالمي، لا يؤثر ذلك بشكل جوهري في مسار أرباح الشركات الأميركية، التي تُعد عصب سوق الأسهم».
ولطالما كانت الصراعات العالمية، وحتى الحروب، لا تُؤثر على الأسواق لفترات طويلة، ويُعد انقطاع إمدادات النفط أكبر تهديد للاقتصاد العالمي والأسهم الأميركية، لكن احتمالية استمرار هذا التأثير لفترة طويلة ضئيلة حتى الآن، وفقاً للمحللين.
ويقول جيسون برايد، رئيس استراتيجية الاستثمار والبحوث في شركة جلينميد، في مذكرة: «للأحداث الجيوسياسية تاريخ طويل في المساهمة في تقلبات السوق على المدى القريب، لكن هذه الاضطرابات عادةً لا تُؤثر بشكل مستدام في مسار نمو السوق على المدى البعيد».
تجاهل الكوارث
افتتحت الأسهم على انخفاض، أمس الاثنين، قبل أن يتدخل المستثمرون لشراء الأسهم عند انخفاض الأسعار، ورغم أن الأخبار المتعلقة بالصراعات العسكرية قد تكون مقلقة، فإن الأسهم تاريخياً قادرة على الارتفاع بغض النظر عن ذلك.
وقال برايد: «التاريخ مليء بالعديد من الأحداث المهمة التي اعتُبرت كارثية في حينها، لكنها لم تكن ضارة بالأسواق على المدى الطويل».
وتعرضت بعض القطاعات لضغوط أمس الاثنين، فقد انخفضت أسهم شركات الرحلات البحرية وشركات الطيران، لكن السوق بشكل عام تجاهل المخاوف.
الصراع المتوقع
كان المستثمرون يتوقعون إلى حد كبير أن تتخذ إدارة ترامب إجراءً عسكرياً ضد إيران، ما حد من أي صدمة.
وقال ستوبس: «كانت المؤشرات واضحة، فالحشد العسكري الأميركي قائماً منذ فترة طويلة».
وقام محللو الاستراتيجيات في مجموعة كارسون بتجميع قائمة تضم 40 حدثاً جيوسياسياً وتاريخياً بارزاً على مدار الـ85 عاماً الماضية، بدءاً من غزو ألمانيا لفرنسا في الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى الهجوم الإيراني على إسرائيل في أبريل 2024، وقاموا بحساب عائد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في الأشهر اللاحقة.
في المتوسط، خسر مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في المتوسط نحو 0.9% في الشهر الأول بعد الحدث، ولكنه ارتفع بنسبة 3.4% خلال الأشهر الستة اللاحقة.
وقال رايان ديتريك، كبير محللي استراتيجيات السوق في مجموعة كارسون، في رسالة بريد إلكتروني: «تاريخياً، ما يبدو في المدى القريب كأزمة جيوسياسية، يميل إلى أن يُحل إلى حد كبير من منظور السوق خلال الأشهر الستة اللاحقة، صحيح أن التقلبات قصيرة الأجل والضعف المحتمل أمر شائع، ولكن مع مرور الوقت، تصبح العوائد أكثر إيجابية».
وحصد المستثمرون خلال العام الماضي ثمار شرائهم عند انخفاض أسعار الأسهم، ما عزز معنويات السوق وساهم في الانتعاش السريع للأسهم أمس الاثنين.
أولوية الذكاء الاصطناعي
يتركز مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بشكل كبير في شركات التكنولوجيا العملاقة، لذا فقد أسهم الحماس للذكاء الاصطناعي، والأرباح القوية للشركات، وخفض أسعار الفائدة، في دفع الأسواق نحو الارتفاع.
من المؤكد أن استمرار الصراع الأميركي الإيراني لفترة طويلة قد يؤثر سلباً في تدفقات النفط العالمية، وبالتالي على أسعار الأسهم.
قال ستوبس، من شركة ألفاكور للاستشارات المالية، إن شهراً واحداً سيكون فترة يمكن التعامل معها، وأضاف: «إذا اتسع نطاق الصراع وامتدت فترة الاضطراب، فستبدأ بعض قطاعات سوق الأسهم في نهاية المطاف بالانتباه إلى الوضع».
لكن حتى في هذه الحالة، قد تكون هناك عوامل أخرى أكثر تأثيراً.
وأوضح ستوبس: «سيظل السؤال حول من الرابح ومن الخاسر من تطبيق الذكاء الاصطناعي هو الشغل الشاغل في السوق، وسيكون أكثر تأثيراً من الحرب في إيران على سوق الأسهم الأميركية».
(جون توفيقي، CNN)