تتجه أنظار الأسواق العالمية، التي اهتزت بسبب الحرب في الشرق الأوسط واحتمال تسببها بصدمة تضخمية جديدة، إلى السيناريو الذي أعقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 بحثاً عن مؤشرات لما قد يحدث لاحقاً. ففي ذلك الوقت، ومع خروج الاقتصاد العالمي تدريجيًا من تداعيات جائحة COVID-19، أدى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى تضخيم الضغوط التضخمية القائمة بالفعل، ما تسبب في تراجع الأسهم واتجاه المستثمرين إلى الدولار كملاذ آمن.
وقال جورج لاغارياس، كبير الاقتصاديين لدى شركة إدارة الثروات Forvis Mazars، إن هناك بعض أوجه التشابه، موضحاً أن
الاقتصاد العالمي يعاني حالياً من الضعف بسبب الحرب التجارية، وأن أي ارتفاع في أسعار النفط قد يزيد الضغوط التضخمية.
صدمة النفط
تشير تحركات الأسواق إلى بعض التشابه مع الأيام الأولى من الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022.
فقد شهدت
أسواق الطاقة تقلبات حادة مشابهة لما حدث آنذاك، حيث ارتفع سعر خام برنت بنحو 40% منذ الضربات الأميركية-الإسرائيلية قبل أسبوعين، مقترباً من 120 دولارًا للبرميل يوم الاثنين.
في المقابل، كان خام برنت قد ارتفع بنحو 15% خلال الأسبوعين الأولين من حرب أوكرانيا عام 2022، بعدما بلغ أعلى مستوياته منذ عام 2008.
وقال المحلل الاقتصادي ريتشارد دي شازال في شركة William Blair إن سوق النفط انتقل من مرحلة وفرة في الإمدادات قبل الجائحة إلى واقع يتعرض فيه لسلسلة متكررة من صدمات العرض.
كما ارتفع الدولار الأميركي بنحو 2.6% منذ بداية حرب الشرق الأوسط، وهو ارتفاع مماثل تقريبًا لما حدث في الفترة نفسها بعد اندلاع حرب أوكرانيا.
تغير سلوك الملاذات الآمنة
مع ذلك، فقد تحركت بعض الأصول بشكل مختلف هذه المرة. فقد ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بالجملة بنحو 58% فقط، وهي زيادة أقل بكثير من الارتفاع الضخم في عام 2022 عندما قفزت الأسعار نحو أربعة أضعاف، نتيجة اعتماد أوروبا الكبير آنذاك على الغاز الروسي.
ومن بين الملاذات الآمنة، ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات (Bund) بنحو 30 نقطة أساس منذ اندلاع الحرب مع إيران، بينما كان قد انخفض بأكثر من 10 نقاط أساس في بداية حرب أوكرانيا.
كما أن الأسواق هذه المرة سارعت إلى تسعير توقعات ارتفاع التضخم، في حين أن العوائد في عام 2022 ارتفعت لاحقًا بعد أن أصبحت الضغوط التضخمية أكثر وضوحاً.
ورغم ذلك، تبدو المخاوف التضخمية أقل حدة الآن، إذ لا يزال معدل توقعات التضخم لخمس سنوات في منطقة اليورو مستقراً عند نحو 2.18%، قريباً من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%.
الذهب يتراجع
في مفارقة لافتة، تراجعت أسعار Gold بنحو 3% منذ اندلاع الحرب مع إيران، في حين كانت قد ارتفعت قرابة 8% بعد اندلاع حرب أوكرانيا.
ويرى استراتيجي الأسواق كريستوفر لوني في RBC أن العلاقة المباشرة بين الأزمة وأسواق الطاقة تقلل الحاجة الفورية للتحوط العام، ما يفسر ضعف الذهب إلى جانب ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار.
الأسهم الأوروبية تتراجع
قبل أربع سنوات، شهدت الأسهم الأوروبية موجة بيع حادة، إذ هبطت بنحو 10% خلال الأسبوعين الأولين من الحرب. أما هذه المرة فقد تراجعت بنحو 5% فقط.
وفي عام 2022 كانت أوروبا في قلب الأزمة جغرافيًا بسبب اعتمادها الكبير على الطاقة الروسية. أما الآن، ورغم أن الشرق الأوسط أبعد جغرافيًا، فإن اعتماد أوروبا على واردات الطاقة لا يزال يجعلها عرضة للتأثر.
وقال محللو الأسهم في باركليز إن مؤشر STOXX 600 الأوروبي قد يتراجع إلى نحو 550 نقطة إذا استقرت أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل، أي انخفاض يقارب 13% مقارنة بإغلاقه في 27 فبراير.
تقلبات الطاقة الأعلى
بلغ مؤشر تقلبات النفط التابع لبورصة شيكاغو CBOE Oil Volatility Index مستوى 120%، وهو أعلى مستوى في خمس سنوات، متجاوزاً الذروة التي سجلها بعد حرب أوكرانيا في 2022.
لكن خارج قطاع الطاقة، لا تزال التقلبات أقل بكثير من مستويات الأزمات. فمؤشر تقلبات الأسهم VIX يقف قرب 25 نقطة، وهو أعلى من المعدلات الطبيعية لكنه أقل بكثير من ذروته خلال جائحة كورونا التي تجاوزت 80 نقطة.
كما ارتفع مؤشر تقلبات السندات ICE BofA MOVE Index إلى 95 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2025، لكنه لا يزال أقل من ذروته البالغة 140 نقطة التي سجلت في مارس 2022.