أكسفورد إيكونوميكس تُبقي توقعاتها لخفض الفائدة في يونيو دون تغيير

في أوقات الأزمات الجيوسياسية، لا يبقى النفط مجرد سلعة تتحرك على الشاشات، بل يتحول إلى مؤشر يقيس حجم القلق العالمي.. ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع المخاوف بشأن الإمدادات وطرق الشحن والطاقة، عاد السؤال الاقتصادي الأكثر حساسية إلى الواجهة: متى يتوقف ارتفاع أسعار النفط عن كونه عبئاً تضخمياً مؤلماً، ويبدأ بالتحول إلى تهديد فعلي للنمو وربما إلى شرارة ركود؟

هذا السؤال كان محور مقابلة أجرتها CNN الاقتصادية مع ريان سويت، المدير الإداري للاقتصاد الكلي في أكسفورد إيكونوميكس، الذي قدّم قراءة مفصلة لما تعنيه صدمة الطاقة الحالية للاقتصاد العالمي، من الولايات المتحدة إلى أوروبا والصين، ومن التضخم إلى الفائدة، في وقت تتقاطع فيه الحرب مع السياسة النقدية في لحظة عالمية شديدة التعقيد.

لكن أهمية هذه المقابلة لا تنبع فقط من تشخيصه اللحظي للأسواق، بل أيضاً من انسجامها مع الخلفية الأوسع التي تعكسها تقارير المؤسسة نفسها في الأيام الأخيرة: اقتصاد عالمي لا يزال متماسكاً نسبياً لكنّه بات يواجه ما يشبه “ضريبة جيوسياسية” متصاعدة تفرضها الحرب عبر أسعار النفط والغذاء والنقل، وتعيد رسم حسابات البنوك المركزية والمستهلكين والشركات معاً.

متى يصبح النفط تهديداً للنمو لا مجرد عبء على المستهلك؟

في المقابلة، أوضح سويت أن تقلبات أسعار النفط الحالية لا يجب أن تُقرأ فقط من خلال الحركة اليومية بين 80 و90 و100 دولار، بل عبر سيناريوهات أكثر تطرفاً واستدامة.. ووفقاً للمحاكاة التي أجرتها أكسفورد إيكونوميكس، فإن وصول متوسط سعر خام برنت إلى نحو 140 دولاراً للبرميل لمدة شهرين إلى ثلاثة أشهر قد يكون كافياً لدفع بعض أجزاء الاقتصاد العالمي إلى الركود، وإن لم يكن العالم كله بالضرورة.

هذه النقطة أساسية، لأنها تضع حداً فاصلاً بين حالتين مختلفتين؛ الأولى هي ارتفاع الأسعار كعامل يضغط على المستهلك ويقلّص قدرته الشرائية، أما الثانية فهي ارتفاع مستدام وعنيف بما يكفي لتحويل هذا الضغط إلى تباطؤ واسع في الاستهلاك والاستثمار والنمو.

سويت شرح ذلك بوضوح عندما أشار إلى أن النفط المرتفع يعمل كـ”ضريبة هائلة” على المستهلك، لأنه يرفع التضخم ويستنزف الدخل الحقيقي المتاح، ثم ينعكس مباشرة على الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما يصيب النشاط الاقتصادي في صميمه.

وبحسب هذا التصور، فإن الخطر لا يتعلق بالنفط في حد ذاته فقط، بل بما يجرّه معه: ارتفاع في أسعار الغاز، واضطراب في الأسواق المالية، وتراجع في الأسهم، وتراجع في الثقة الاقتصادية. أي أن كلفة الحرب لا تنتقل عبر قناة واحدة، بل عبر شبكة متكاملة من التأثيرات التي تتراكم مع الوقت.

أوروبا واليابان وبريطانيا في دائرة الهشاشة الأكبر

ضمن هذا السيناريو، يرى سويت أن بعض الاقتصادات ستكون أكثر عرضة من غيرها، فقد أشار خلال المقابلة إلى أن أجزاء من منطقة اليورو، والمملكة المتحدة، واليابان قد تدخل في ركود إذا استقرت الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة لفترة كافية، وهذا التقييم لا ينفصل عن الطبيعة البنيوية لهذه الاقتصادات، التي تبقى أكثر حساسية لصدمات الطاقة، سواء من حيث الاستيراد أو من حيث انتقال الكلفة إلى الصناعة والاستهلاك.

وتتوافق هذه القراءة مع الخلفية الأوسع التي أبرزتها تقارير أكسفورد إيكونوميكس، والتي تُظهر أن العالم دخل بالفعل مرحلة يزداد فيها القلق من التباطؤ، حتى وإن لم يصل بعد إلى نقطة الانكسار.. فبحسب أحدث مسح للمخاطر العالمية لدى المؤسسة، ارتفعت احتمالات حدوث ركود عالمي هذا العام إلى نحو واحد من كل ستة منذ اندلاع الحرب، وهو ما يعكس تدهوراً في المعنويات الاقتصادية، لكن من دون الوصول إلى توقعات بانهيار شامل.

والمهم هنا أن المؤسسة نفسها تلفت إلى أن هذا التدهور في التوقعات، رغم أهميته، لا يزال أقل حدة مما حدث عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وهذا يعني أن الاقتصاد العالمي، على الأقل حتى الآن، أكثر قدرة على الامتصاص مما كان عليه في صدمات سابقة، لكنه ليس بمنأى عن الخطر إذا طال أمد الأزمة.

الولايات المتحدة أقل هشاشة.. لكن أثر الطاقة لا يختفي

في حديثه مع CNN الاقتصادية، شدد سويت على أن الولايات المتحدة ليست “منفصلة” عن صدمة الطاقة، لكنها أقل حساسية لها مقارنة باقتصادات أخرى.. والسبب، وفقاً له، لا يعود إلى اختفاء العلاقة بين التضخم والطاقة، بل إلى تغير بنية الاقتصاد الأميركي على مدار عقود، وخصوصاً بفضل اتساع الإنتاج المحلي من النفط والغاز، وتراجع الوزن النسبي للتصنيع مقابل صعود قطاع الخدمات.

بمعنى آخر، الولايات المتحدة اليوم ليست أميركا السبعينيات، ولا حتى اقتصاد 2008، لكنها أيضاً ليست محصنة، فارتفاع أسعار النفط العالمية ينعكس سريعاً على أسعار البنزين للمستهلك الأميركي، وهذا بدوره يضغط مباشرة على الإنفاق.. ولتوضيح ذلك، أشار سويت إلى أن كل زيادة بسنت واحد في أسعار البنزين تخفض إنفاق المستهلكين بنحو 1.5 مليار دولار على مدى عام.. وهذه ليست ملاحظة نظرية، بل تذكيراً واضحاً بأن أثر الطاقة في الاقتصاد الأميركي لا يزال واسعاً وسريع الانتقال.

لذلك، فإن وصف الاقتصاد الأميركي بأنه أقل تعرضاً لا يعني أن الصدمة محدودة، بل إن شدة تأثيرها أقل نسبياً، وإن كانت لا تزال مؤلمة.. وقد بدا ذلك واضحاً في حديثه عندما أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يشكل ضربة قوية للاقتصاد الأميركي، لكن الوصول إلى ركود هناك يحتاج إلى ارتفاعات أكبر أو إلى آثار جانبية إضافية، مثل اضطرابات أوسع في الأسواق المالية أو موجات تضخمية أكثر استدامة.

الصين تؤخر امتصاص الصدمة.. لكنها لا تتفاداها

أما الصين فقدّم سويت قراءة أكثر تدرجاً لحجم تأثرها، فهو يرى أن بكين لن تشعر بالألم بالسرعة نفسها التي تشعر بها أوروبا أو المستهلك الأميركي عند محطات الوقود، وذلك لأن عدداً من الاقتصادات الآسيوية الكبرى، ومنها الصين، يمتلك احتياطيات نفطية تكفي لنحو شهرين إلى ثلاثة أشهر.. لكن هذا لا يعني الحصانة، بل فقط أن أثر الأزمة يتأخر زمنياً.

فمع مرور الوقت، تبدأ هذه الهوامش بالتآكل.. وكلما طال أمد التوتر وارتفعت الأسعار، زادت الكلفة على الاقتصاد الصيني، سواء عبر فاتورة الاستيراد أو من خلال الحاجة إلى التدخل والدعم.

وقد أشار سويت إلى أن الصين قد تلجأ إلى دعم بعض زيادات أسعار النفط إذا تجاوزت مستويات معينة، ما يعكس أن السلطات هناك تدرك أن استمرار الصدمة قد يفرض تحديات داخلية، حتى وإن كانت الصين تبدو في المرحلة الأولى أقل انكشافاً من أوروبا.

ومن اللافت أن هذه الفكرة تتكامل مع السياق الأوسع الذي عرضته المؤسسة في خلفياتها الاقتصادية: فالتضخم العالمي لم يعد يواصل التراجع بشكل خطي، بل بات يتحرك تحت ضغط الطاقة والغذاء.. وحتى الصين، التي ظلت لوقت طويل استثناءً من موجة التضخم العالمية، بدأت تظهر فيها إشارات تسارع في الأسعار، وإن من مستويات أدنى بكثير من الولايات المتحدة وأوروبا.

الفيدرالي بين التضخم وسوق العمل.. والبنوك المركزية في وضع الانتظار

ربما كان أحد أبرز محاور المقابلة هو ما تعنيه هذه الصدمة للبنوك المركزية، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.. هنا، قدّم سويت قراءة دقيقة تقوم على فكرة أن السياسة النقدية في أوقات الحرب تعمل في بيئة من “الضباب”، حيث تصبح القرارات أكثر صعوبة لأن أثر الصدمة لا يكون واضحاً بالكامل في لحظته.

ولهذا، أشار إلى أن البنوك المركزية تميل في مثل هذه الظروف إلى التريث، فلا تسارع إلى الخفض لكنها أيضاً لا تتخذ قرارات كبيرة قبل أن تتضح الصورة.. وهذا المنطق ينسجم مع ما تضمنته الخلفية المرفقة حول اجتماع الفيدرالي في 18 مارس، حيث اتجهت الأسواق بشكل شبه كامل إلى توقع تثبيت الفائدة، وسط إجماع على أن صدمة الحرب وارتفاع النفط أزاحا أي رهان جدي على خفض وشيك.

لكن اللافت في حديث سويت أنه، رغم هذا الحذر، لم يذهب إلى تبني سيناريو تشدد طويل كما تفعل بعض المؤسسات الأخرى، بل أوضح أن أكسفورد إيكونوميكس لم تغيّر توقعاتها الأساسية للفيدرالي، وأنها لا تزال ترى أن خفض الفائدة في يونيو يبقى السيناريو المرجح.. والسبب في ذلك، بحسب تقديره، أن السياسة النقدية الأميركية لا تزال مقيدة، وأن الخطر الأكبر قد لا يكون في ارتفاع التضخم على المدى البعيد بقدر ما هو في تدهور النشاط الاقتصادي وسوق العمل.

هذا التقييم مهم لأنه يختلف عن لهجة أكثر تشدداً سادت في بعض المؤسسات خلال الأيام الأخيرة.. ففي الخلفية الواردة، تظهر تحولات واضحة في مواقف عدد من البنوك الكبرى التي باتت تميل إلى تأجيل الخفض أو حتى استبعاده هذا العام، أما سويت فيبدو أكثر ميلاً إلى الاعتقاد بأن الفيدرالي سيعطي وزناً أكبر لوضع سوق العمل، خصوصاً إذا استمرت المؤشرات في إظهار تباطؤ اقتصادي من دون انفلات كبير في التضخم الأساسي.

هل يقترب شبح الركود التضخمي في أوروبا؟

عندما سُئل سويت عن احتمال ظهور ركود تضخمي في منطقة اليورو، لم يستبعد هذا الاحتمال، بل وصفه بأنه خطر قائم.

والركود التضخمي هنا لا يعني بالضرورة تكراراً كاملاً لما شهده العالم في السبعينيات، وإنما سيناريو ترتفع فيه البطالة بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، ما يضع البنك المركزي أمام معضلة حقيقية: هل يحارب التضخم أم يحمي النمو؟

وهذه النقطة بالذات تكشف لماذا تبقى أوروبا في مركز القلق.. فصدمة الطاقة هناك لا تتوقف عند البنزين أو وقود التدفئة، بل تمتد بسرعة إلى النقل وسلاسل الإمداد وأسعار الغذاء وكلفة السلع اليومية، وقد شدد سويت على أن النفط لا يؤثر فقط في الطاقة، بل يكاد يلامس سعر كل شيء نشتريه.. ومن هنا، فإن الخطر الأوروبي لا يتعلق فقط بالوقود، بل بانتقال الصدمة إلى الاقتصاد الحقيقي عبر قنوات أوسع وأكثر عمقاً.

صورة أشمل.. اقتصاد عالمي أبطأ وليس منهاراً

ورغم قتامة المشهد، فإن الخلفية الأوسع من تقارير أكسفورد إيكونوميكس لا تدعم فكرة الانهيار الوشيك.. فالمؤسسة تشير إلى أن الاقتصادات الناشئة قد تبقى أكثر صموداً حتى في ظل سيناريوهات ارتفاع النفط، مع تباطؤ في النمو لكنه ليس بالضرورة انهيارياً، كما تظهر تحليلاتها الأخيرة أن التجارة العالمية بدورها أبدت مرونة أكبر من المتوقع خلال العام الماضي، رغم الرسوم الجمركية والقيود التجارية وعدم اليقين السياسي.

هذه النقطة تضيف بُعداً مهماً إلى المقابلة، فالصورة التي يرسمها سويت ليست صورة عالم يسقط دفعة واحدة، بل عالماً يتباطأ تحت ضغط متراكم.. هناك خسائر، نعم.. وهناك تضخم وضغط على المستهلكين والبنوك المركزية.. لكن في المقابل، هناك أيضاً قدر من التكيف، ومرونة نسبية في التجارة، وصمود في بعض الأسواق الناشئة، واستفادة محتملة لبعض الدول المصدرة للطاقة خارج الخليج.

اقتصاد العالم تحت اختبار جديد

في المحصلة، تعكس مقابلة ريان سويت مع CNN الاقتصادية، مدعومة بخلفية تقارير أكسفورد إيكونوميكس، حقيقة أساسية: العالم لا يعيش فقط أزمة أسعار طاقة، بل يواجه اختباراً جديداً لقدرته على امتصاص الصدمات الجيوسياسية من دون أن تنزلق الاقتصادات الكبرى إلى ركود أعمق.

فالنفط هنا ليس مجرد سعر مرتفع، بل أداة تنتقل عبرها الحرب إلى كل زاوية من الاقتصاد: إلى محطات الوقود، إلى أسعار النقل والغذاء، إلى قرارات الفيدرالي، إلى توقعات النمو، وإلى مزاج الأسواق والشركات والمستهلكين. وما يجعل هذه اللحظة حساسة فعلاً هو أن الاقتصاد العالمي يدخلها وهو لم يستكمل بعد خروجه الكامل من آثار الموجات التضخمية السابقة.

لهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: هل يصل النفط إلى 100 أو 140 دولاراً؟ بل الأهم: كم من الوقت سيبقى هناك، وكيف ستتفاعل معه الاقتصادات والبنوك المركزية؟

وفي الإجابة عن هذا السؤال، تبدو الرسالة التي حملتها المقابلة واضحة: الخطر ليس محسوماً بعد، لكنه حقيقي، وكل يوم إضافي من التوتر يرفع كلفته على العالم.