على الصعيد الرسمي، لا يزال التركيز الأساسي للاحتياطي الفيدرالي منصباً على تحديد الموعد المناسب وحجم الخفض القادم في أسعار الفائدة، إلا أن الكواليس تشير إلى تغير ملموس في التوجهات؛ فقد تصبح الخطوة التالية للفيدرالي هي رفع الفائدة بدلاً من خفضها. ورغم أن هذا الاحتمال لا يمثل السيناريو الأساسي للبنك المركزي حالياً، فإن هناك ثلاثة عوامل تعزز هذا الخطر: أولاً، استمرار التضخم فوق مستهدف 2%.
ثانياً، ارتفاع أسعار النفط الذي قد يدفع التضخم للابتعاد أكثر عن الهدف.
ثالثاً، الانخفاض الكبير في أسعار الفائدة منذ بدء التيسير النقدي في 2024، ما جعل السياسة أقل تقييداً.
معضلة التضخم المستعصي
تعتمد استراتيجية الفيدرالي منذ منتصف 2024 على افتراض أن بقاء توقعات التضخم مستقرة حول 2% سيؤدي بالضرورة إلى تراجع التضخم الفعلي، لكن الواقع أثبت عكس ذلك، وفقاً لصحيفة فانشيال تايمز.
ورغم أن مؤشر أسعار المستهلكين سجل 2.4% في فبراير شباط 2026، فإن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي -المعيار المفضل للفيدرالي- أظهر تضخماً بنسبة 2.8%، بينما ظل التضخم الأساسي عند 3.1%.
ويشير الخبراء الاقتصاديون إلى أن فشل التوقعات في خفض التضخم يعني أن المحرك الطبيعي لتهدئة الأسعار لا يعمل كما هو مخطط له، ما قد يضطر البنك المركزي للاعتماد على إضعاف الاقتصاد وسوق العمل عبر رفع الفائدة.
مخاطر أسعار النفط المزدوجة
في الحالات العادية، يتجاوز الفيدرالي الارتفاع المؤقت في أسعار النفط، مركزاً على الضرر الذي يلحقه بالدخل والإنفاق. لكن الوضع الحالي يختلف، حيث يبدو الضرر محدوداً حتى الآن؛ فاستهلاك الأمريكيين للبنزين انخفض مقارنة بالماضي، كما أصبحت الولايات المتحدة مصدراً صافياً للبترول، ما يجعلها تستفيد جزئياً من ارتفاع الأسعار.
وفي الوقت نفسه، تتبع الإدارة الحالية سياسات تحفيزية قوية، تشمل ضخ نحو 200 مليار دولار في الاقتصاد عبر تخفيضات ضريبية، بالإضافة إلى خطط لزيادة الإنفاق العسكري بمقدار 200 مليار دولار أخرى، ما يمحو أي «مصدات» طبيعية ضد ضغوط التضخم.
هل أسعار الفائدة مرتفعة بما يكفي؟
كان لدى الفيدرالي أسباب وجيهة لبدء خفض الفائدة في سبتمبر 2024 حين كانت تتراوح بين 5.25% و5.5%.
أما اليوم، فإن مستهدف الفائدة الحالي الذي يتراوح بين 3.5% و3.75% لا يزيد إلا قليلاً على تقديرات المسؤولين للمعدل «المحايد» البالغ 3.1%.
وهذا يعني أن السياسة النقدية لم تعد مقيدة للنشاط الاقتصادي كما كانت في السابق، ما يقلل من قدرتها على كبح التضخم دون إجراءات أكثر صرامة.