قفزت أسعار السكر العالمية إلى مستويات قياسية مع اتساع تداعيات الحرب الإيرانية على حركة الملاحة في مضيق هرمز، إذ تحوّل اختناق أحد أهم مسارات الشحن إلى عامل دعم مباشر لأسعار السكر الأبيض المكرر، في وقت بدأت فيه السوق تستوعب أيضاً أثراً غير مباشر أكثر عمقاً يتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، وما يعنيه ذلك من انكماش محتمل في الإمدادات من كبار المنتجين. ووفق بيانات السوق، صعد عقد السكر الأبيض القياسي في لندن إلى أعلى مستوى في ستة أشهر خلال موجة الصعود الأخيرة، قبل أن يتراجع إلى نحو 440.9 دولار للطن في الأول من أبريل نيسان، بينما بلغ عقد السكر الخام الأميركي نحو 15.29 سنت للرطل بعد ارتفاع شهري يقارب 10%.
الصدمة بدأت من الشرق الأوسط، حيث أدت الحرب إلى شبه شلل في المرور البحري عبر مضيق هرمز، وهو ممر حيوي ليس فقط للنفط والغاز، بل أيضاً لشحنات السكر الخام المتجهة إلى المصافي الخليجية، ثم السكر الأبيض الخارج منها إلى الأسواق المجاورة.
وتقدّر السوق أن نحو 6% من تجارة السكر العالمية تأثرت بالاضطرابات، بينما حقق العقد الأكثر تداولاً في لندن مكاسب شهرية بلغت 11% بنهاية مارس، وهي الأكبر منذ 2023، ويعكس هذا التحرك انتقال السوق من بيئة وفرة معروض وضعف طلب إلى تسعير علاوة مخاطر لوجستية مرتبطة بالموانئ، والتأمين، وإعادة توجيه الشحنات.
ويكتسب التأثير وزناً أكبر لأن الشرق الأوسط يعد مركزاً رئيسياً لتكرير السكر الخام وإعادة تصدير السكر الأبيض، ما يجعل أي تعطّل في وصول الخامات أو خروج الشحنات النهائية كفيلاً بتشديد السوق سريعاً.
ماذا قال التجار عن قفزات أسعار السكر العالمية؟
وبحسب تقديرات التجار، قد تظل الواردات ضعيفة حتى يونيو على الأقل، مع مخاطر هبوط إضافي إذا امتدت الاضطرابات إلى الربع الثالث، وهو ما يعني أن موجة الصعود الحالية ليست مجرد رد فعل قصير، بل قد تتحول إلى إعادة رسم لخريطة التدفقات التجارية خلال الربعين المقبلين، هذا الفراغ فتح الباب أمام موردين من خارج الشرق الأوسط لاقتناص حصة أكبر من السوق.
الشحنات من الهند وتايلاند تسارعت في الأسابيع الأخيرة، مع تسجيل طلبات خارجية على السكر الأبيض الهندي تصل إلى 250 ألف طن منذ بداية الحرب، وهو رقم كبير إذا قورن بإجمالي 650 ألف طن جرى التعاقد عليها منذ منتصف نوفمبر تشرين الثاني.
وارتفعت تدفقات السكر التايلاندي إلى السودان، أحد كبار المستهلكين، إلى نحو 353.65 ألف طن حتى 25 مارس آذار، مقابل 45 ألف طن فقط في فبراير شباط، بحسب بيانات الشحن التي جمعتها «كوفريغ أناليتيكس».
هذا التحول يشير إلى أن المشترين باتوا يدفعون علاوة للحصول على إمدادات بديلة سريعة، حتى لو كانت المسافات أطول والتكاليف أعلى.
لكن الأثر الأوسع للحرب على السكر لا يقتصر على التجارة المباشرة، فارتفاع أسعار النفط نتيجة اضطراب هرمز يعزّز ربحية الإيثانول مقارنة بإنتاج السكر لدى مطاحن البرازيل، أكبر منتج ومصدّر عالمي.
كيف أثر غلاء أسعار الطاقة في صناعة السكر؟
ونقلت رويترز عن محللين أن قفزة الطاقة تدفع مصانع قصب السكر البرازيلية إلى تخصيص حصة أكبر من القصب لإنتاج الوقود الحيوي على حساب السكر، مع توقع «داتاغرو» خفض نسبة القصب الموجهة للسكر إلى 48.5% في الموسم الجديد مقابل 50.7% في الموسم السابق.
وبالتوازي، قفزت عقود السكر الخام في بورصة (ICE) بأكثر من 3% في التاسع من مارس آذار مع رهان السوق على تراجع المعروض من وسط-جنوب البرازيل؛ ويعني ذلك أن الحرب تدعم الأسعار عبر قناتين في آن واحد: تعطيل الشحن من مركز تكرير رئيسي، وتقليص الحافز لإنتاج السكر في أكبر منطقة إنتاج عالمية.
بدأت السوق تعيد تسعير السلعة بوصفها جزءاً من صدمة أوسع في الغذاء والطاقة والشحن، لا سيما مع تحذير رويترز من أن الحرب تهدد بإطلاق موجة جديدة من تضخم الغذاء في الاقتصادات النامية عبر الأسمدة والطاقة والنقل، وإذا استمر تعطل هرمز خلال الربع الثاني، فستبقى أسعار السكر مدعومة فوق مستوياتها المنخفضة السابقة، مع احتمال انتقال مزيد من الطلب إلى الهند وتايلاند والبرازيل.
أما إذا هدأت المخاطر اللوجستية سريعاً، فقد تتراجع الأسعار من قممها الأخيرة، لكن ليس بالضرورة إلى مستويات ما قبل الحرب، لأن تكلفة الطاقة الأعلى قد تُبقي منحنى الأسعار مشدوداً حتى مع تحسن الملاحة، بحسب محللين استطلعت رويترز آراءهم.