يحاول محافظو البنوك المركزية في العالم تحقيق المستحيل، حيث يرتبط عملهم بفهم عقلية مديري الشركات، والعاملين فيها، والأسر العادية، ومعرفة كيف يديرون شؤونهم المالية، حتى لو كان العالم يعيش في ظل صدمة طاقة جديدة. يدرس صناع السياسات رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم المتزايد، لكنهم لن يُقدموا على هذه الخطوة إلا إذا اعتقدوا أن ارتفاع تكاليف الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية سينعكس على أسعار أخرى، ما يرفع توقعات التضخم في الاقتصاد ككل.
تكمن المشكلة في صعوبة قياس هذه التوقعات، ورغم أن البنوك المركزية تعتمد على مجموعة كبيرة من الاستطلاعات والمؤشرات، لكن جميعها تعاني من ثغرات، إن لم تكن عيوباً جوهرية.
فن لا علم
منذ جائحة كوفيد-19، طورت البنوك المركزية أدوات جديدة لسد الثغرات في البيانات المتعلقة بالسلوك، لكن قياس التوقعات لا يزال أقرب إلى الفن منه إلى العلم الدقيق.
وأدى هذا التحول إلى «فن التوقعات» إلى وضع معايير صعبة لرفع أسعار الفائدة، إذ يتوخى صناع السياسات الحذر من القرارات المبنية على الحدس، ويفضلون عادةً انتظار المزيد من الأدلة لتقليل مخاطر الخطأ في السياسة النقدية.
تغيرت السلوكيات منذ ذروة التضخم في عام 2022، حيث أقر صانعو السياسات في بنك كندا بأن حالة عدم اليقين العالمية تعني أنهم «سيحتاجون إلى الاعتماد على التقدير بشكل أكبر من المعتاد» لرسم مسار الاقتصاد، وذلك وفقاً لمحضر اجتماعهم المنعقد في 18 مارس آذار، والذي أبقى فيه البنك أسعار الفائدة ثابتة.
قال توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، أحد البنوك الـ12 الإقليمية للنظام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، لوكالة رويترز: «أبذل قصارى جهدي لفهم طريقة تفكير واضعي الأسعار وكيف يرون الوضع، بل وأحاول قياس قيمة ثقتهم في قدراتهم على تحديد الأسعار، وبالتالي توقع التضخم الذي يحدد سعر الفائدة».
السلوكيات تتغير
في عام 2022، لم يكن لدى المستهلكين والشركات خبرة تُذكر في التعامل مع طفرات التضخم السريعة، ما جعل تحديد الأسعار والأجور عملية جامدة إلى حد ما.
«لكن بعد أن عاش الناس فترة تضخم مؤلمة، فإن توقعات التضخم أصبحت أكثر هشاشة وأكثر حساسية لصدمة أسعار الطاقة»، هذا ما قالته إيزابيل شنابل، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، في محاضرة جامعية، الأسبوع الماضي.
بالنسبة للشركات، كان تغيير أسعار البيع عملية معقدة قبل الجائحة، لذا اقتصرت تعديلاتها على مرة واحدة في السنة في أغلب الأحيان، وأوضحت شنابل أن هذا الوضع أصبح غير قابل للاستمرار بعد أن ارتفعت وتيرة التغييرات بشكل كبير.
وهذا الأمر يجعل وتيرة التغييرات، وليس حجمها فقط، مؤشراً جيداً على تغير التوقعات.
تقليدياً، اعتمدت البنوك المركزية على الاستطلاعات ومؤشرات السوق لتقييم التوقعات، لكن الاستطلاعات لا تُجرى بوتيرة كافية لرصد التغيرات السريعة، وغالباً ما يكون مداها الزمني غير متوافق مع احتياجات صانعي السياسات.
كما أن مؤشرات السوق للتضخم المتوقع غير دقيقة، لأنها تتضمن العائد الإضافي، أو علاوة المخاطرة، التي يطلبها المستثمرون مقابل الاستثمار أو الاحتفاظ بأداة مالية معينة، وهذا يتغير بتغير معنويات السوق، ما يُخفي التحولات في توقعات الأسعار الفعلية.
ولأن المخاطر كبيرة الآن يتوقع المستثمرون أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين أو ثلاث مرات هذا العام، وبنك إنجلترا مرتين، وقد تخلوا عن توقع أي تخفيضات في أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في عام 2026.
سد فجوات المعرفة
للتعويض عن هذه الفجوات المعلوماتية، طورت البنوك المركزية مجموعة من الأدوات الجديدة، فهي تتابع التغيرات المتوقعة في الأجور، بما في ذلك اتفاقيات الأجور الرئيسية التي تعلنها النقابات، والتي قد تكون مؤشراً للآخرين الذين يتفاوضون على أجورهم.
وتجري البنوك المركزية استطلاعات رأي مباشرة مع الشركات وتتحدث إلى المديرين التنفيذيين لتقييم السلوك المتوقع، كما أنها تعتمد على أعداد متزايدة من الاستطلاعات الخارجية التي تتضمن مؤشرات استشرافية.
ويتابع موظفو البنوك المركزية وتيرة تغيرات الأسعار، ويصححون الاستطلاعات الحالية لسد فجوات البيانات، وقد راجعوا نماذج التوقعات الخاصة بهم لمعالجة أوجه القصور التي أغفلت ارتفاع التضخم في عام 2022 الناجم عن الجائحة والحرب الروسية الأوكرانية.
كما أن فهم كيفية اختلاف صدمة التضخم هذه عن تلك التي حدثت قبل أربع سنوات أمر أساسي في قراراتهم.
الظروف مختلفة
الآن أسعار الفائدة مرتفعة بالفعل، والإنفاق الحكومي أكثر صرامة، وهناك ركود متزايد في سوق العمل، وعلى عكس ما كان عليه الحال خلال الجائحة، حين عجزت الأسر عن الإنفاق، فإنها لا تملك الآن سيولة نقدية كبيرة.
وصرح محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، لوكالة رويترز: «ندخل هذه المرحلة في ظل الانخفاض التدريجي للتضخم الذي شهدناه سابقاً، وتراجع سوق العمل، وانخفاض النمو قليلاً عن مستواه المُحتمل».
ومن الرسائل المتكررة للشركات، نجد ضعف حقيقي في القدرة على تحديد الأسعار في معظم قطاعات الاقتصاد.
وبفضل هذه الرؤية الأوضح تُبدي البنوك المركزية ثقةً في الوقت الراهن بأن توقعات التضخم على المدى الطويل لن تبتعد كثيراً عن مستوياتها المستهدفة.
لكن كلما طالت الحرب، زادت أسعار الطاقة ارتفاعاً، ومع ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، مثل وقود السيارات، يزداد احتمال ارتفاع توقعات التضخم، ولن يتضح متى سيحدث ذلك بالضبط، ما يترك لصناع السياسات تقدير الأمر بأنفسهم.
قال بريموز دولينك، مسؤول السياسات في البنك المركزي الأوروبي: «علم الاقتصاد ليس علماً دقيقاً، فهو يعتمد على التحليلات، ولكنه يتضمن أيضاً، بحكم تعريفه، عنصراً مرتبطاً بالإدراك والأحكام الشخصية».