في خطوة مفاجئة أربكت الأسواق العالمية، عقد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جيروم باول، بالتعاون مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اجتماعاً عاجلاً مع الرؤساء التنفيذيين لأكبر البنوك والمؤسسات المالية في الولايات المتحدة، في تحرك نادر لا يحدث عادة إلا في أوقات الأزمات المالية الكبرى. الاجتماع، الذي وُصف بأنه «طارئ» وعلى أعلى مستوى، لم يكن مجرد نقاش تقني حول الذكاء الاصطناعي، بل جمع بين صناع السياسة النقدية والمالية وأقوى اللاعبين في النظام المالي العالمي، ما أثار تساؤلات واسعة: هل يواجه الاقتصاد العالمي خطراً وشيكاً؟
الذكاء الاصطناعي في قلب القلق
بحسب التقارير، تمحور الاجتماع حول نموذج ذكاء اصطناعي جديد تطوره شركة أنثروبيك، يُعرف داخلياً باسم “
Mythos”، وهو نموذج متقدم يعتمد على الاستدلال وليس مجرد تحليل البيانات.
هذا النموذج لا يقتصر على معالجة الأرقام، بل يقوم بدمج البيانات الاقتصادية والأسواق والأحداث الجيوسياسية لإنتاج سرديات متماسكة وقابلة للتنفيذ، وهي نقطة خطيرة؛ لأن الأسواق تتحرك غالباً وفق السرديات وليس فقط الأرقام.
الخطر الحقيقي: عندما يفكر الجميع بالطريقة نفسها
المشكلة التي تقلق صناع القرار ليست في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في استخدامه المتزايد داخل المؤسسات المالية.
إذا اعتمدت البنوك وصناديق الاستثمار على النماذج نفسها والبيانات نفسها، فإنها قد تصل جميعاً إلى الاستنتاجات نفسها، وتتصرف في التوقيت نفسه.
في أوقات الاستقرار قد يبدو ذلك طبيعيا، لكن في أوقات الأزمات قد يؤدي إلى بيع جماعي للأصول، وجفاف مفاجئ في السيولة، وتقلبات حادة في الأسواق.
وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تحليل إلى “مُسرّع للأزمات” أو ما يُعرف بـ«الخطر النظامي».
لماذا الآن؟.. التوقيت يكشف الكثير
توقيت الاجتماع لم يكن عشوائياً، إذ جاء قبل مفاوضات مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تصاعد التوترات واحتمالات حدوث صدمة في أسعار الطاقة.
هذه الصدمة قد تؤدي إلى ارتفاع حاد في التضخم، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وتباطؤ
النمو الاقتصادي عالمياً.
وفي هذا السياق، قد تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي كـ“مضخم داخلي” للأزمة، عبر دفع المؤسسات لاتخاذ قرارات متشابهة وسريعة بناءً على السيناريوهات المتشائمة نفسها.
سيناريو قاتم: هل يقترب الاقتصاد العالمي من ركود عميق؟
تشير التقديرات إلى أن العالم قد يكون أمام سيناريو قريب مما يسميه الفيدرالي “السيناريو السلبي العالمي 2026”، الذي يتضمن: ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، وقفزة في معدلات التضخم، وانهياراً في أسواق الأسهم، وارتفاع أسعار الفائدة، واتساع فروق الائتمان.
ومع تراجع الثروة، قد يتعمق الركود، خاصة إذا انفجرت فقاعات الأصول مثل العقارات أو الائتمان الخاص.
صراع السرديات… والأسواق تختار
حالياً، هناك سرديتان رئيسيتان تتحكمان في الأسواق، الأولى (متفائلة) وهي أن الحرب ستنتهي قريبًا، وأسعار الطاقة ستتراجع، وتأثير الأزمة سيكون مؤقتًا.
والثانية (متشائمة)، وهي أن الأزمة طويلة الأمد، مع استمرار الضغوط على الطاقة وارتفاع التضخم وتأثيرات سلبية ممتدة على الاقتصاد.
حتى الآن، تميل أسواق الأسهم إلى السيناريو المتفائل، لكن القلق لدى صناع القرار هو أن تقوم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بترجيح السردية السلبية؛ ما قد يشعل أزمة حقيقية.
ماذا يعني ذلك للمستثمرين؟
هذا الاجتماع قد يُفهم كإشارة تحذير مبكرة من صناع السياسة، وفي ضوء السيناريوهات المطروحة، قد تتجه الاستراتيجيات إلى تقليل المخاطر في الأسهم، وزيادة الاستثمار في أدوات الدين قصيرة الأجل، والاستفادة من ارتفاع أسعار الفائدة.
ويبدو أن الاجتماع الطارئ الذي قاده جيروم باول ليس مجرد نقاش حول التكنولوجيا، بل إشارة إلى قلق عميق داخل دوائر صنع القرار من تفاعل خطير بين الذكاء الاصطناعي والأسواق المالية في لحظة حساسة من التوترات الجيوسياسية.
وفي عالم تتحرك فيه الأسواق بالسرديات، قد يكون الخطر الأكبر ليس ما يحدث، بل ما يعتقد الجميع أنه سيحدث.