البيتكوين بين الأمل والخوف.. عملة تقودها السيولة لا الأزمات

البيتكوين بين الأمل والخوف.. عملة تقودها السيولة لا الأزمات (شترستوك)
البيتكوين بين الأمل والخوف.. عملة تقودها السيولة لا الأزمات
البيتكوين بين الأمل والخوف.. عملة تقودها السيولة لا الأزمات (شترستوك)

لا تتحرك الأسواق المالية بشكل عشوائي. ففي كل مرة تتصاعد فيها التوترات الجيوسياسية أو تهدأ، يتغير سلوك المستثمرين بسرعة، ويتحول رأس المال من الأصول عالية المخاطر إلى الأصول الدفاعية والعكس.

وهذا ما يظهر بوضوح في سوق العملات المشفرة، إذ أصبح البيتكوين يتحرك بشكل متزايد وفق شهية المخاطرة العالمية، وليس باعتباره ملاذاً آمناً كما يروّج البعض.

فمع أي إشارة إلى تهدئة في الصراعات الجيوسياسية، تعود السيولة تدريجياً إلى الأصول ذات العائد المرتفع مثل الأسهم والعملات المشفرة، بينما تؤدي موجات التصعيد إلى انسحاب الأموال نحو الدولار والسندات والذهب، ما يضغط على أسعار البيتكوين.

تحرك تحت الضغوط الجيوسياسية

عندما هدأت التوترات بفعل بادرة تهدئة أو اتصالات سلام، انتعشت معنويات المستثمرين، إذ ارتفع سعر البيتكوين مجدداً بنحو 2% مسجلاً فوق 68 ألف دولار في 31 مارس آذار بعد تصريحات إيرانية أشارت إلى استعداد طهران لوقف الحرب، نقلاً عن موقع كريبتوستيل.

في هذا السياق، يوضح الرئيس التنفيذي لشركة إكس باي XPay، محمد عبد المطلب، أن سوق العملات المشفرة لا يزال سوقاً ناشئاً، بدأ فعلياً بالتبلور مع دخول البيتكوين التداول بين عامي 2011 و2012، وما زال في مرحلة تشكيل النظرية الأساسية (Main Thesis).

ويؤكد أن الهدف الأساسي من العملات المشفرة يتمحور حول ثلاثة عناصر رئيسية هي: السيادة الفردية على الأصول (Individual Sovereignty)، والخصوصية (Privacy)، والسرعة العالية في تنفيذ المعاملات.

إلا أن البيتكوين تحديداً، وفقاً لرؤيته، لا يمتلك حتى الآن «استخداماً عملياً واسعاً في المعاملات التجارية اليومية»، كما أن سعره شديد التقلب، ما يجعله أقرب إلى أصل استثماري عالي المخاطر منه إلى وسيلة دفع مستقرة.

ويوضح أن الأسواق التقليدية عادة ما تتحرك بنسب محدودة، إذ يُعد تحرك الذهب بنسبة 1-2% أسبوعياً حدثاً ملحوظاً، بينما تختلف العملات المشفرة بشكل كبير، إذ يمكن أن تتحرك آلاف الدولارات خلال أيام قليلة، ما يجعلها سوقاً عالي التقلب بطبيعته.

أما مع تصاعد حدة الحرب وارتفاع أسعار النفط والأصول القيادية، فقد تراجعت شهية المخاطرة، ليبقى البيتكوين محصوراً بين مستويات 60 و72 ألف دولار مع اتجاه هابط تدريجياً، في وقت سجل فيه الدولار مكاسب ملموسة.

ويشير عبد المطلب كذلك إلى أن العملات المشفرة، منذ نوفمبر تشرين الثاني 2025، أي قبل الحرب، وبداية 2026، تعرضت البيتكوين لضغوط واضحة نتيجة الظروف العالمية، إلّا أن اللافت هو أنها خلال فترات التوتر الشديد لم تنخفض بنفس حدة الأسواق الأخرى، بل ظلت تتحرك داخل نطاق محدود نسبياً، وهو ما قد يُفسر كإشارة على تزايد نضج السوق تدريجياً. ومعنى انه انخفض بشكل نسبياً قليل في وقت الحرب يعكس انه لم يتأثر بشدة بالحرب.

كما أوضح ان مسار تصاعدي للبيتكوين منذ 2020 بعد أن كان في مستوى 16,000 دولار حتى وصله الآن لأعلى من 70,000 دولار

اختبر تحرك السعر الحد الأعلى لنطاق التذبذب الذي شهده البيتكوين خلال شهرين، والذي تراوح تقريباً بين 65,000 و75,000 دولار منذ فبراير شباط. يمثل هذا النطاق فترة من التداول المتقلب أعقبت وصول سعر البيتكوين إلى أعلى مستوى له على الإطلاق فوق 126,000 دولار في أكتوبر تشرين الأول 2025.

وصل سعر البيتكوين نحو مستوى 75,000 دولار يوم الاثنين الموافق 13 أبريل نيسان 2026، إذ قام المتداولون بتغطية مراكز البيع على المكشوف في أعقاب أمر الرئيس ترامب بإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع السعر من أدنى مستوى له في الصباح عند 70,741 دولاراً إلى أعلى مستوياته خلال اليوم فوق 74,900 دولار.

البيتكوين بين الأمل والخوف.. عملة تقودها السيولة لا الأزمات
العائدات الشهرية للبيتكوين (موقع بيتكوين دوت كوم)

شهدت صناديق الاستثمار المتداولة في سوق البيتكوين (ETFs) تدفقات نقدية متجددة خلال شهري مارس آذار وأبريل نيسان، ما وفّر بعض الطلب في ظل التحركات المدفوعة بالرافعة المالية.

وكان الشراء المؤسسي عبر صناديق الاستثمار المتداولة أحد الأسباب، على الأقل، لصمود مستوى الدعم قرب 68,000 إلى 70,000 دولار خلال عدة اختبارات.

أدّت الظروف الاقتصادية الكلية الأوسع نطاقاً إلى تعقيد مسار ارتفاع البيتكوين؛ فقد عزز ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالتوترات في الشرق الأوسط المخاوف من التضخم، مما قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة.

وعادةً ما يؤدي أي تخفيف للضغوط الجيوسياسية أو تغيير في توقعات مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى ارتفاع سعر البيتكوين في غضون أيام.

لطالما كان شهر أبريل نيسان شهراً إيجابياً للبيتكوين. فمنذ عام 2013، أغلق البيتكوين شهر أبريل نيسان على ارتفاع في نحو 69% من الحالات.

أما في عام 2026، فقد كان الأداء متذبذباً، متأثراً بالرياح المعاكسة الاقتصادية الكلية المستمرة وتداعيات انخفاض الأسعار في العام الماضي. وحتى الآن في الربع الثاني من عام 2026، ارتفع سعر البيتكوين بنسبة 8.64%.

لماذا يرتفع البيتكوين مع التهدئة؟

ويشير ذلك إلى أن البيتكوين يتصرف كأصل يعتمد على السيولة ومزاج المستثمرين أكثر من كونه ملاذاً آمناً.

فقد أظهرت تحليلات عدة من موقع إنفيستيغ دوت كوم أن التدفقات خلال فترات القلق الجيوسياسي تتجه نحو الدولار والسندات والذهب، وليس نحو البيتكوين أو الإيثيريوم.

ويتسق ذلك مع ما توصلت إليه دراسات أكاديمية حديثة، إذ يواصل الذهب التفوق خلال فترات الصدمات الجيوسياسية، بينما يتحرك البيتكوين بشكل أقرب إلى أسواق الأسهم، ويزيد من تقلبات المحافظ الاستثمارية بدلاً من حمايتها، وفقاً لموقع مورنينغ ستار.

ويرى عبد المطلب أن تحليل البيتكوين يجب أن يتم عبر عدة مستويات وهي مدى نجاح النظرية أو الفرضية الأساسية للعملة المشفرة، من وظيفتها كوسيلة دفع وقد ثبت جزئياً في البنية التكنولوجية، والأهم هل ستنجح فعلاً كمخزن للقيمة، وهو ما يزال محل اختبار طويل الأجل، خاصة أن المقارنة تمتد مع أصول عمرها مئات السنين مثل الذهب.

عند ظهور إشارات تهدئة في الأزمات الجيوسياسية أو الاقتصادية، تتحسن ثقة المستثمرين تدريجياً، تزيد شهية المخاطرة في الأسواق، تتجه السيولة نحو الأصول ذات العائد المرتفع والتقلب الأعلى مثل الأسهم والتشفير، ويقل الطلب على الأصول الدفاعية مثل الدولار والسندات الحكومية.

يستفيد البيتكوين لأنه يُصنّف ضمن الأصول عالية الحساسية للسيولة (Liquidity-sensitive assets)، وبالتالي يرتفع مع تدفق الأموال للمخاطرة.

لماذا ينخفض مع التصعيد؟

عند تصاعد التوترات الجيوسياسية أو المالية، ترتفع حالة عدم اليقين، ويتجه المستثمرون إلى الأصول الآمنة مثل الدولار والسندات الحكومية، تنخفض شهية المخاطرة عالمياً، ويتم سحب السيولة من الأصول الأكثر تقلباً ومنها العملات المشفرة.

لذلك غالباً ما يتعرض البيتكوين لضغوط هبوطية في فترات التصعيد، ليس لأنه يتضرر من الحرب مباشرة، بل لأنه يُباع ضمن موجات تخفيف المخاطر (De-risking).

ويضيف عبد المطلب أن البيتكوين اليوم يُنظر إليه أيضاً كجزء من منظومة التكنولوجيا المالية (FinTech)، وليس فقط كأصل استثماري. فكل من البيتكوين والإيثيريوم يتميزان بانخفاض تكلفة التشغيل وارتفاع الكفاءة، ما يفتح الباب أمام استخدامهما مستقبلاً في البنية التحتية المالية، خاصة في مجالات التتبع (Traceability) والضرائب والمدفوعات اللحظية (Real-time settlement).

وبالتالي، فإن دور الجهات التنظيمية لن يكون فقط الرقابة، بل أيضاً دمج هذه التقنيات داخل الأنظمة المالية بشكل تدريجي ومنظم.

توقعات وآراء محللين 

كما يشير عبد المطلب إلى أن مستوى 75,000 دولار يمثل نقطة محورية في المدى القصير، إذ إن استمرار التداول أعلى هذا المستوى حتى نهاية هذا الأسبوع قد يفتح المجال لاختبار مستويات 80,000 أو 90,000 دولار مستقبلاً، رغم أن توقعات المدى القصير تبقى عالية التقلب وصعبة التحديد.

بشكل عام، حدد المحللون نطاقاً سعرياً يتراوح بين 75,000 و80,000 دولار أمريكي كأهداف قصيرة المدى، إلا أن عمليات البيع الضريبي التي سبقت 15 أبريل نيسان ومخاوف التضخم الناجم عن أسعار النفط لا تزال تشكل مخاطر، نقلاً عن موقع بيتكوين دوت كوم.

وفي الختام، لا يبدو البيتكوين بديلاً آمناً عن الذهب أو الدولار في أوقات الأزمات. فالبنوك المركزية لا تزال تعتمد على الذهب والعملات القوية كأصول احتياطية، في حين يظل أداء العملات المشفرة مرتبطاً بدرجة كبيرة بالسيولة العالمية ومزاج المستثمرين.

أما على صعيد السياسات، فسيظل مسار الصراع، تصعيداً أو تهدئة، عاملاً رئيسياً في توجيه أسعار البيتكوين والذهب، ما يدفع المستثمرين إلى مراقبة التطورات الجيوسياسية عن كثب، بدلاً من التعويل على العملات الرقمية كملاذ آمن.