وهذا ما يظهر بوضوح في سوق العملات المشفرة، إذ أصبح البيتكوين يتحرك بشكل متزايد وفق شهية المخاطرة العالمية، وليس باعتباره ملاذاً آمناً كما يروّج البعض.
ويوضح أن الأسواق التقليدية عادة ما تتحرك بنسب محدودة، إذ يُعد تحرك الذهب بنسبة 1-2% أسبوعياً حدثاً ملحوظاً، بينما تختلف العملات المشفرة بشكل كبير، إذ يمكن أن تتحرك آلاف الدولارات خلال أيام قليلة، ما يجعلها سوقاً عالي التقلب بطبيعته.
أما مع تصاعد حدة الحرب وارتفاع أسعار النفط والأصول القيادية، فقد تراجعت شهية المخاطرة، ليبقى البيتكوين محصوراً بين مستويات 60 و72 ألف دولار مع اتجاه هابط تدريجياً، في وقت سجل فيه الدولار مكاسب ملموسة.
ويشير عبد المطلب كذلك إلى أن العملات المشفرة، منذ نوفمبر تشرين الثاني 2025، أي قبل الحرب، وبداية 2026، تعرضت البيتكوين لضغوط واضحة نتيجة الظروف العالمية، إلّا أن اللافت هو أنها خلال فترات التوتر الشديد لم تنخفض بنفس حدة الأسواق الأخرى، بل ظلت تتحرك داخل نطاق محدود نسبياً، وهو ما قد يُفسر كإشارة على تزايد نضج السوق تدريجياً. ومعنى انه انخفض بشكل نسبياً قليل في وقت الحرب يعكس انه لم يتأثر بشدة بالحرب.
كما أوضح ان مسار تصاعدي للبيتكوين منذ 2020 بعد أن كان في مستوى 16,000 دولار حتى وصله الآن لأعلى من 70,000 دولار
اختبر تحرك السعر الحد الأعلى لنطاق التذبذب الذي شهده البيتكوين خلال شهرين، والذي تراوح تقريباً بين 65,000 و75,000 دولار منذ فبراير شباط. يمثل هذا النطاق فترة من التداول المتقلب أعقبت وصول سعر البيتكوين إلى أعلى مستوى له على الإطلاق فوق 126,000 دولار في أكتوبر تشرين الأول 2025.
وصل سعر البيتكوين نحو مستوى 75,000 دولار يوم الاثنين الموافق 13 أبريل نيسان 2026، إذ قام المتداولون بتغطية مراكز البيع على المكشوف في أعقاب أمر الرئيس ترامب بإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع السعر من أدنى مستوى له في الصباح عند 70,741 دولاراً إلى أعلى مستوياته خلال اليوم فوق 74,900 دولار.
وكان الشراء المؤسسي عبر صناديق الاستثمار المتداولة أحد الأسباب، على الأقل، لصمود مستوى الدعم قرب 68,000 إلى 70,000 دولار خلال عدة اختبارات.
وعادةً ما يؤدي أي تخفيف للضغوط الجيوسياسية أو تغيير في توقعات مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى ارتفاع سعر البيتكوين في غضون أيام.
أما في عام 2026، فقد كان الأداء متذبذباً، متأثراً بالرياح المعاكسة الاقتصادية الكلية المستمرة وتداعيات انخفاض الأسعار في العام الماضي. وحتى الآن في الربع الثاني من عام 2026، ارتفع سعر البيتكوين بنسبة 8.64%.
فقد أظهرت تحليلات عدة من موقع إنفيستيغ دوت كوم أن التدفقات خلال فترات القلق الجيوسياسي تتجه نحو الدولار والسندات والذهب، وليس نحو البيتكوين أو الإيثيريوم.
ويتسق ذلك مع ما توصلت إليه دراسات أكاديمية حديثة، إذ يواصل الذهب التفوق خلال فترات الصدمات الجيوسياسية، بينما يتحرك البيتكوين بشكل أقرب إلى أسواق الأسهم، ويزيد من تقلبات المحافظ الاستثمارية بدلاً من حمايتها، وفقاً لموقع مورنينغ ستار.
ويرى عبد المطلب أن تحليل البيتكوين يجب أن يتم عبر عدة مستويات وهي مدى نجاح النظرية أو الفرضية الأساسية للعملة المشفرة، من وظيفتها كوسيلة دفع وقد ثبت جزئياً في البنية التكنولوجية، والأهم هل ستنجح فعلاً كمخزن للقيمة، وهو ما يزال محل اختبار طويل الأجل، خاصة أن المقارنة تمتد مع أصول عمرها مئات السنين مثل الذهب.
عند ظهور إشارات تهدئة في الأزمات الجيوسياسية أو الاقتصادية، تتحسن ثقة المستثمرين تدريجياً، تزيد شهية المخاطرة في الأسواق، تتجه السيولة نحو الأصول ذات العائد المرتفع والتقلب الأعلى مثل الأسهم والتشفير، ويقل الطلب على الأصول الدفاعية مثل الدولار والسندات الحكومية.
يستفيد البيتكوين لأنه يُصنّف ضمن الأصول عالية الحساسية للسيولة (Liquidity-sensitive assets)، وبالتالي يرتفع مع تدفق الأموال للمخاطرة.
عند تصاعد التوترات الجيوسياسية أو المالية، ترتفع حالة عدم اليقين، ويتجه المستثمرون إلى الأصول الآمنة مثل الدولار والسندات الحكومية، تنخفض شهية المخاطرة عالمياً، ويتم سحب السيولة من الأصول الأكثر تقلباً ومنها العملات المشفرة.
لذلك غالباً ما يتعرض البيتكوين لضغوط هبوطية في فترات التصعيد، ليس لأنه يتضرر من الحرب مباشرة، بل لأنه يُباع ضمن موجات تخفيف المخاطر (De-risking).
وفي الختام، لا يبدو البيتكوين بديلاً آمناً عن الذهب أو الدولار في أوقات الأزمات. فالبنوك المركزية لا تزال تعتمد على الذهب والعملات القوية كأصول احتياطية، في حين يظل أداء العملات المشفرة مرتبطاً بدرجة كبيرة بالسيولة العالمية ومزاج المستثمرين.
أما على صعيد السياسات، فسيظل مسار الصراع، تصعيداً أو تهدئة، عاملاً رئيسياً في توجيه أسعار البيتكوين والذهب، ما يدفع المستثمرين إلى مراقبة التطورات الجيوسياسية عن كثب، بدلاً من التعويل على العملات الرقمية كملاذ آمن.