سر ارتباك أسواق النفط والذهب والعملات والكريبتو.. تسعير الحرب والسندات الأميركية

سر ارتباك أسواق النفط والذهب والعملات والكريبتو.. تسعير الحرب والسندات الأميركية

تجد الأسواق العالمية نفسها اليوم في قلب "عاصفة مثالية" من عدم اليقين، حيث لم يعد ارتباك الأصول المالية—من النفط والذهب إلى العملات الرقمية—مجرد رد فعل عابر على التوترات الجيوسياسية، بل تحول إلى إعادة تسعير هيكلية شاملة للمخاطر.

ففي ظل تصاعد حدة الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته على سلاسل إمدادات الطاقة، تبرز "سندات الخزانة الأميركية" كبوصلة متوترة تقود المشهد؛ إذ يراقب المستثمرون بقلق بالغ انكماش فوارق العوائد، الذي يشي بتغير جذري في السياسة النقدية تحت قيادة "كيفين وارش" في مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

هذا التغيير في دفة القيادة الأميركية، الممزوج بضغوط تضخمية عالمية ناجمة عن أزمة الطاقة، وضع المستثمرين أمام واقع جديد: الاستحقاقات النقدية لم تعد تتجه نحو "التيسير" كما كان مأمولاً، بل نحو "تشديد" طويل الأمد. وبينما تحاول الأسواق فك شفرة العلاقة المعقدة بين الدولار القوي، والذهب الذي يفقد بريقه أمام عائدات السندات، والعملات الرقمية التي تعاني من انحسار السيولة الرخيصة.

ويظل السؤال المحوري الذي يربط خيوط هذه الأزمة ببعضها هو: إلى أي مدى ستصمد استقلالية السياسة النقدية أمام تطلعات الإدارة الأميركية، وهل يكفي "عصر وارش" لاحتواء التضخم الجامح دون دفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي؟

تشهد سوق سندات الخزانة الأميركية حالة من التقلبات الحادة، حيث انكمش الفارق بين عوائد السندات لأجل 5 أعوام و30 عاماً ليصل إلى أدنى مستوياته منذ مايو 2025، مسجلاً نحو 81 نقطة أساس.

وتشير تقديرات استراتيجية إلى أن عوائد السندات لأجل 10 أعوام قد تتجه نحو مستوى 5%، مع احتمالية وصول بعض آجال الاستحقاق لاحقاً إلى نطاق يتراوح بين 5.5% و6%.

ارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل 5 أعوام إلى أعلى مستوياتها هذا العام عند 4.35% الأسبوع الماضي، فقد بلغت 4.26% يوم الجمعة.

وفي المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً إلى 5.06%، نزولاً من ذروة هذا العام البالغة 5.20%، مع انخفاض أسعار النفط. وبلغت عوائد السندات القياسية لأجل 10 أعوام 4.56%.

ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه رهانات المستثمرين على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيضطر إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول تحت قيادة رئيسه الجديد كيفين وارش، بدفع من ارتفاع من أسعار الطاقة التي خلفتها الحرب في إيران.

ضغوط التضخم وتغير التوقعات

تأتي هذه التحركات مدفوعة بموجة بيع في السندات قصيرة الأجل، الأكثر حساسية لتغيرات السياسة النقدية، وذلك في أعقاب تصاعد التضخم الذي أعقب التوترات في إيران متبوعاً بارتفاع أسعار النفط، الذي أدى إلى أكبر موجة تضخمية منذ عام 2023، هذا الواقع الجديد دفع عدداً من مسؤولي الفيدرالي إلى التخلي عن توجهاتهم السابقة نحو التيسير النقدي.

وفي سياق متصل أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى رغبته في أن يقود وارش البنك المركزي باستقلالية، وهي تصريحات عززت من توقعات الأسواق بأن الفيدرالي قد يتبنى نهجاً أكثر تشدداً.

ويرى خبراء استراتيجيون أن البيانات الحالية والظروف السياسية قلصت الضغوط الداعية لخفض الفائدة، ما دفع الأسواق لإعادة تسعير عوائد السندات صعوداً.

نظرة مستقبلية وتحديات هيكلية

تتزايد التوقعات في وول ستريت بأن تكاليف الاقتراض قد تشهد مزيداً من الارتفاع، حيث حذر قياديون في مؤسسات مالية كبرى من أن الفائدة قد تتجه لمستويات أعلى بكثير.

وعلى الرغم من تراجع أسعار النفط مؤخراً بفعل التفاؤل بشأن مفاوضات أميركية إيرانية محتملة، فإن المحللين يحذرون من أن الضغوط التي تواجهها السندات ليست عابرة، بل هي ضغوط "هيكلية"، وتشمل هذه العوامل:

السياسة المالية المتساهلة والإنفاق العام الضخم على الدفاع والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتداعيات شيخوخة السكان، وحجم أعباء الدين العام.

الفيدرالي بين التضخم والنمو

في ظل هذا المشهد يعيش المتداولون حالة من الجدل حول ما إذا كانت مخاطر التضخم ستظل هي المحرك الأساسي، أم أن التباطؤ الاقتصادي سيفرض نفسه في النهاية.

وقد تحولت توقعات الأسواق بشكل لافت؛ فبعد أن كانت تراهن سابقاً على خفض الفائدة أصبحت الآن تتوقع أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة بحلول ديسمبر المقبل.

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن سوق السندات تمر بمرحلة من عدم الاستقرار، حيث أصبحت أكثر عرضة للتقلبات، مع ترقب عالمي لقرارات الفيدرالي التي تُعد معياراً لتكاليف الاقتراض في الأسواق الدولية، من اليابان إلى أوروبا والأسواق الناشئة.