«ذئب وول ستريت».. محتال يبرر النصب بالعملات الرقمية

محتالو العملات الرقمية يستغلون ضحايا فرنسيين من ألبانيا (أ ف ب)
محتالو العملات الرقمية يستغلون ضحايا فرنسيين من ألبانيا
محتالو العملات الرقمية يستغلون ضحايا فرنسيين من ألبانيا (أ ف ب)

على الرغم من مواجهته عقوبة السجن لمدة تصل إلى عشر سنوات بتهمة الاحتيال، لاتهامه باستدراج الناس لوضع مدخراتهم في عملية احتيال استثمارية بالعملات الرقمية مقرها ألبانيا، فإن جون لا يُبدي أي ندم.

وقال في مقابلة أجريت معه في أحد مقاهي تيرانا «لا أرى أي سبب يدعوني للشعور بالذنب إذا وقع الناس ضحيةً لهذه الحيلة».

وبحسب الشرطي السابق فاتيون سوفتا، أصبحت العاصمة الألبانية وجهةً مفضلةً لمراكز الاتصال الاحتيالية في السنوات الأخيرة، وذلك بفضل تعدد اللغات في المدينة، وانخفاض الأجور، وسهولة غسل الأموال.

وقال جون، وهو اسم مستعار حفاظاً على سرية هويته، إنه استلهم شخصيته من جوردان بيلفورت، سمسار البورصة الذي شق طريقه إلى القمة بالغش، والذي جسّد شخصيته ليوناردو دي كابريو في فيلم «ذئب وول ستريت» عام 2013.

في مبنى مكاتب فاخر بوسط تيرانا، كان جون ينتحل صفة أميركي ويتواصل مع ضحايا محتملين زعم أن آخرين قد حددوهم مسبقاً.

قال جون «كانت مهمتي استدراجهم وإقناعهم بالاستثمار»، مضيفاً أنه كان يشعر أحياناً بالفخر بعمله.

كان الشاب الألباني، في العشرينيات من عمره، يتقاضى 1450 يورو (أقل بقليل من 1700 دولار أميركي) شهرياً قبل المكافآت، مقارنةً بالحد الأدنى للأجور في البلاد البالغ 500 يورو قبل الضرائب.

وصف جون العمل بأنه «فرصة ممتازة، براتب مجزٍ للغاية».

لكن بعد ستة أشهر من العمل أصبح مُلزماً بالمثول أمام المحكمة أسبوعياً حتى محاكمته بتهم الاحتيال التي تصل عقوبتها إلى السجن من ثلاث إلى عشر سنوات.

ضحايا فرنسيون وخسائر بملايين اليوروهات

في نهاية أبريل نيسان تم تفكيك العديد من مراكز الاحتيال الألبانية، بما في ذلك المركز الذي كان يعمل فيه جون، وذلك عقب تحقيق أجرته الشرطة في مدينة باو جنوب غرب فرنسا.

كان المحققون الفرنسيون يسعون لتعقب المحتالين منذ شكوى قُدّمت عام 2023 من مستثمر خسر 30 ألف يورو في منصة تُدعى universatrade.io.

في نهاية المطاف، تمكنوا من تحديد 19 ضحية فرنسية خسروا نحو 1.5 مليون يورو في عمليات الاحتيال.

إحدى هؤلاء الضحايا سيدة أعمال من جنوب فرنسا، قالت إن معاناتها بدأت بالنقر على إعلان للاستثمار في النفط.

«بعد عشر دقائق تلقيت مكالمة»، قالت شانتال، وهو اسم مستعار لحماية هويتها.

وأضافت«كانت ابنتي على وشك الزواج، فقلت لنفسي إنني سأجني بعض المال الإضافي».

في البداية، استثمرت شانتال 250 يورو فقط، ولكن بعد أن رأت أموالها تتضاعف أربع مرات بسرعة، استسلمت عندما سألها المستشارون عما إذا كانت ترغب في استثمار المزيد.

وسرعان ما وجدت نفسها قد خسرت 80 ألف يورو.

قالت شانتال إنها بحثت عن منصات الاستثمار ووجدتها على الإنترنت، مع ملفات تعريفية لمستشاريها على لينكدإن، حتى أن أحدهم أرسل نسخة من بطاقة هويته.

من أرباح وهمية إلى حافة الانتحار

في ديسمبر كانون الأول من العام الماضي، بعد ثلاثة أشهر من استثمارها الأولي، حققت شانتال أرباحاً بلغت 300 ألف يورو في حسابها على التطبيق، وحاولت سحب ما يعادل 30 ألف يورو من العملات المشفرة.

وقالت «عندها ضاع كل شيء».

على الرغم من إدراكها للمشكلة، فإن المحتالين كانوا يسيطرون عليها تماماً، إذ كانوا يتصلون بها من 15 إلى 20 مرة يومياً، لدرجة أنهم أقنعوها بمواصلة الاستثمار بوعود بأن الأموال الإضافية ستتيح لها السحب.

وقالت شانتال «لقد سيطروا عليك، ماذا يمكنك أن تفعل؟ أموالك معهم».

«لا تنام طوال الليل، عقلك لا يحتمل، وفي اليوم التالي يقولون لك: يجب أن يكون المبلغ موجوداً بحلول الظهر وإلا فلن تسترد أموالك».

وأضافت «تدفع المبلغ، وبعد ساعة يقولون إنه سيكون في حسابك، لكنه ليس هناك، فتبكي وتصرخ بأعلى صوتك».

ساعد محامٍ شانتال في استرداد جزء من المال، الذي فقدته مرة أخرى.

قالت شانتال في النهاية إنها «أرادت أن تنهي حياتها»، لكن عائلتها أنقذتها من ذلك.

وقال مصدر مقرب من التحقيق: «يقول الناس إن الضحايا ساذجون، لكن عمليات الاحتيال مُحكمة»، مشيراً إلى أنها «متطورة» للغاية.

ملاحقة المحتالين وتعويض الضحايا

تمكن المحققون الفرنسيون في النهاية من تعقب المحتالين إلى ألبانيا، وعثرت الشرطة خلال مداهمة على قرص صلب لجهاز كمبيوتر يحتوي على أسماء ومعلومات الاتصال بالضحايا الفرنسيين.

أُلقي القبض على خمسة مواطنين ألبان، من بينهم العقل المدبر المشتبه به ومالك مركز الاتصالات، الذي وُضع رهن الحبس الاحتياطي بانتظار المحاكمة.

ولأن ألبانيا لا تُسلّم مواطنيها، يعتزم المدّعون الفرنسيون إسقاط قضيتهم لصالح نظرائهم الألبان، الذين وعدوا بالسعي للحصول على تعويضات للضحايا الفرنسيين.

«إنهم يسرقون كرامتك»

ترغب شانتال في الإدلاء بشهادتها حتى لا يقع الآخرون في المأزق نفسه.

وقالت «إنهم يسرقون أكثر من مجرد المال، إنهم يسرقون كرامتك».

(أ ف ب)