عادت البيتكوين للارتفاع فوق مستوى 62 ألف دولار بعد موجة بيع عنيفة دفعتها لفترة وجيزة إلى ما دون حاجز 60 ألف دولار، لكن هذا التعافي لم ينجح حتى الآن في تغيير الصورة العامة للسوق، التي لا تزال تواجه ضغوطاً قوية من تشديد السياسة النقدية الأميركية وتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
وخلال أقل من أسبوعين فقدت
العملة المشفرة الأكبر في العالم نحو 19 ألف دولار من قيمتها، في تراجع أعاد إلى الأذهان فترات التصحيح الحادة التي شهدها السوق في دورات سابقة، وأثار تساؤلات حول ما إذا كان الهبوط الحالي يمثل فرصة شراء أم بداية مرحلة أطول من الضعف.
بيانات الاقتصاد الأميركي تقلب المعادلة
جاءت شرارة التراجع الأخيرة بعد صدور بيانات قوية لسوق العمل الأميركي، حيث أضاف الاقتصاد 172 ألف وظيفة جديدة خلال مايو، أي ما يقارب ضعف التوقعات التي كانت تشير إلى 85 ألف وظيفة فقط.
وتعزز هذه الأرقام وجهة النظر القائلة إن
الاقتصاد الأميركي لا يزال يتمتع بمرونة كبيرة رغم أسعار الفائدة المرتفعة، وهو ما يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
وبالنسبة لأسواق العملات المشفرة، فإن استمرار الفائدة المرتفعة يعني بقاء تكلفة التمويل مرتفعة وتراجع جاذبية الأصول المضاربية مقارنة بالسندات والأسهم التقليدية، وهو ما انعكس سريعاً على أسعار ال
بيتكوين وبقية العملات الرقمية.
وزاد من مخاوف المستثمرين قرار بنك
بي إن بي باريبا تعديل توقعاته السابقة، إذ انتقل من توقع استقرار أسعار الفائدة إلى ترجيح تنفيذ ثلاث زيادات إضافية ابتداء من ديسمبر المقبل، مستنداً إلى استمرار الضغوط التضخمية وقوة سوق العمل الأميركي.
موجة تصفيات تكشف هشاشة السوق
الهبوط السريع للبيتكوين لم يكن ناتجاً فقط عن تغير التوقعات الاقتصادية، بل أدى أيضاً إلى سلسلة من عمليات التصفية القسرية للمراكز الممولة بالرافعة المالية.
ووفقاً لبيانات كوين جلاس، تجاوزت قيمة المراكز التي تمت تصفيتها 1.7 مليار دولار خلال 24 ساعة فقط، فيما تمت تصفية أكثر من 155 مليون دولار خلال ساعة واحدة عند كسر مستوى 60 ألف دولار.
وتعكس هذه الأرقام اعتماد جزء كبير من السوق على التداولات الممولة بالدين، ما يجعل التحركات السعرية أكثر حدة عند تغير المزاج الاستثماري.
الأموال تغادر سوق الكريبتو
في الوقت نفسه، أظهرت بيانات
كريبتو كوانت خروج ما يقرب من 40 مليار دولار من منظومة البيتكوين خلال فترة قصيرة.
ولا يبدو أن هذه الأموال غادرت الأسواق المالية بالكامل، بل تحولت إلى وجهات أخرى أكثر جاذبية في الوقت الراهن، وعلى رأسها أسهم الذكاء الاصطناعي الأميركية التي تستقطب تدفقات قياسية منذ بداية العام.
ويشير هذا التحول إلى أن المنافسة على رؤوس الأموال لم تعد بين العملات المشفرة والأصول التقليدية فقط، بل أصبحت أيضاً مع شركات التكنولوجيا العملاقة التي تقود موجة الذكاء الاصطناعي العالمية.
هل بدأت علامات الاستسلام؟
رغم الصورة السلبية يرى بعض المحللين، بحسب كوين ماركت كاب، أن السوق يقترب من مرحلة «الاستسلام» التي غالباً ما تسبق تكوين القيعان السعرية.
فقد سجل مؤشر القوة النسبية آر سي آي RSI مستويات لم يشهدها منذ انهيار الأسواق خلال جائحة كورونا في عام 2020، بينما تكبد المستثمرون قصيرو الأجل أكبر خسائر محققة في تاريخ الشبكة وفق بعض المؤشرات على السلسلة.
كما أظهرت البيانات أن ملايين البيتكوينات المحتفظ بها لفترات طويلة أصبحت في وضعية خسارة، وهو أمر عادة ما يظهر خلال المراحل المتأخرة من دورات الهبوط.
ويرى مؤيدو هذا السيناريو أن عمليات البيع العنيفة الأخيرة ربما تكون قد استنفدت جزءاً كبيراً من الضغوط البيعية، ما قد يفتح المجال أمام استقرار تدريجي إذا تحسنت الظروف الاقتصادية.
لكن المخاطر لا تزال قائمة
في المقابل، يحذر فريق آخر من المحللين من التسرع في إعلان نهاية الهبوط.
فبحسب بيانات كريبتو كوانت لا تزال الخسائر المحققة في الدورة الحالية أقل من تلك التي شهدها السوق خلال انهيار عام 2022، ما يعني أن المجال لا يزال مفتوحاً أمام مزيد من الانخفاضات إذا استمرت عمليات التصفية وخروج السيولة.
كما يشير بعض المراقبين إلى أن المستثمرين الأفراد يواصلون شراء الانخفاضات السعرية، في حين يقوم المستثمرون الكبار بتوزيع مراكزهم خلال الارتدادات المؤقتة، وهو نمط لا يرتبط عادةً بتكوين القيعان النهائية للأسواق.
ما الذي سيحدد الاتجاه المقبل؟
بحسب تقرير لكريبتو كوانت، فإن مستقبل البيتكوين خلال الأشهر المقبلة سيتوقف على ثلاثة عوامل رئيسية:
1- مسار أسعار الفائدة الأميركية.
2- عودة التدفقات المؤسسية إلى سوق العملات المشفرة.
3- قدرة السعر على استعادة مستويات المقاومة الرئيسية فوق 69 ألف دولار.
وفي حال نجحت البيتكوين في الحفاظ على مستوى 60 ألف دولار واستعادة جزء من خسائرها الأخيرة، فقد يتحول التعافي الحالي إلى موجة صعود أوسع، أما إذا استمرت التدفقات الخارجة وتزايدت رهانات الفائدة المرتفعة، فقد يواجه السوق اختباراً جديداً لمستويات دعم أدنى.
وبينما يترقب المستثمرون الخطوة المقبلة للفيدرالي الأميركي، تبقى البيتكوين عالقة بين قوتين متعارضتين: تفاؤل أنصارها الذين يرون في التراجع فرصة تاريخية للشراء، ومخاوف الأسواق من أن عصر الأموال الرخيصة الذي دعم صعود الأصول الرقمية خلال السنوات الماضية لم يعد قائماً.