رهان زوكربيرغ الهندي.. هل تنجح CRED في إنقاذ طموحات واتساب المالية؟

مارك زوكيربيرغ (شترستوك)
مارك زوكربيرغ
مارك زوكيربيرغ (شترستوك)

تسعى ميتا بلاتفورمز إلى تحويل واتساب من تطبيق مراسلة واسع الانتشار إلى منصة مدفوعات وخدمات مالية أكثر نفوذًا في الهند، عبر رهان جديد يجمع بين الاستثمار الاستراتيجي واستقطاب المواهب التنفيذية.

تعتزم ميتا استثمار 900 مليون دولار في شركة التكنولوجيا المالية الهندية (CRED)، بما يمنح الشركة الناشئة تقييمًا يبلغ 4.5 مليار دولار، على أن ينتقل مؤسسها كونال شاه لتولي قيادة واتساب عالمياً، خلفًا لويل كاثكارت الذي سيشغل دوراً جديداً داخل ميتا بعد نحو سبع سنوات على رأس التطبيق، وفق رويترز.

تمثل الصفقة محاولة من مارك زوكربيرغ لاستخدام صيغة مألوفة في وادي السيليكون، وهي شراء حصة مؤثرة، ثم الاستفادة من مؤسس الشركة المستهدفة داخل المؤسسة الأم، لكنها تأتي هذه المرة في سوق أكثر حساسية، حيث تتقاطع المدفوعات الرقمية مع بيانات المستخدمين والمنافسة بين عمالقة التكنولوجيا الأميركيين.

واتساب كبير في الهند.. لكنه صغير في المدفوعات

الهند هي أكبر أسواق واتساب، إذ يستخدم التطبيق مئات الملايين من الأشخاص يوميًا للتواصل الشخصي والتجاري، لكن هذا الانتشار لم يتحول إلى هيمنة في المدفوعات.

رغم قاعدة المستخدمين الضخمة، فلا تزال خدمة (WhatsApp Pay) لاعبًا هامشيًا على شبكة المدفوعات الفورية الهندية (UPI)، في سوق تسيطر عليه (PhonePe) المدعومة من وول مارت و(Google Pay) التابعة لألفابت.

واتساب يتوسع في الهند
واتساب يتوسع في الهند ويدخل عالم المدفوعات الرقمية (شترستوك)

وتظهر بيانات السوق أن حصتهما المشتركة لا تزال قريبة من 80% من معاملات (UPI)، رغم تراجعها مؤخرًا عن مستويات الذروة.

هذا الخلل بين حجم واتساب الاجتماعي وضعفه المالي هو جوهر الصفقة، فميتا لا تشتري (CRED) فقط للحصول على حصة في شركة تكنولوجيا مالية، بل تستورد نموذجًا وخبرة إدارية من شركة نجحت في بناء ولاء لدى شريحة صغيرة نسبيًا لكنها عالية القيمة من العملاء الائتمانيين.

ماذا تملك (CRED)؟

تأسست (CRED) في بنغالورو عام 2018، وتقدم تطبيقًا قائمًا على مكافأة المستخدمين ذوي التصنيفات الائتمانية المرتفعة عند سداد فواتير بطاقات الائتمان في موعدها. يحصل المستخدمون على مكافآت نقدية ونقاط قابلة للاستبدال بمنتجات وخدمات، إضافة إلى عروض وتجارب حصرية.

وتوسعت الشركة لاحقًا إلى ترتيب القروض والتأمين وإدارة الثروات وخدمات نمط الحياة، في محاولة لبناء منصة مالية موجهة للعملاء الأكثر إنفاقًا وملاءة.

وقالت (CRED) إنها تخدم 17 مليون عضو شهريًا، وتعالج أكثر من 40% من مدفوعات فواتير بطاقات الائتمان في الهند، وتدير أصول قروض تفوق 240 مليار روبية لصالح مؤسسات مالية شريكة.

بالنسبة لميتا، يوفر هذا التركيز على شريحة مرتفعة القيمة زاوية مختلفة عن النموذج التقليدي في الهند، حيث تطارد معظم التطبيقات الرقمية قاعدة مستخدمين ضخمة بمعاملات صغيرة القيمة.

كونال شاه.. رهان على رجل لا على شركة فقط

تبدو الصفقة أقرب إلى استثمار في كونال شاه بقدر ما هي استثمار في (CRED)، فشاه يعد من أبرز رواد الأعمال في قطاع التكنولوجيا المالية الهندي، وسبق أن أسس (FreeCharge) قبل إطلاق (CRED).

كونال شاه رائد الإعمال الهندي
كونال شاه رائد الإعمال الهندي مؤسس CRED (أ ف ب)

تعيين كونال شاه على رأس واتساب يمنح ميتا قائدًا يعرف السوق الهندية، ويفهم المدفوعات الاستهلاكية، ولديه خبرة في بناء منتج مالي قائم على السلوك والمكافآت، لكن التحدي سيكون مختلفًا جذريًا: ما نجح مع 17 مليون مستخدم منتقى بعناية قد لا ينجح تلقائيًا مع مئات الملايين من مستخدمي واتساب في الهند، ولا مع قاعدة عالمية تمتد عبر أسواق متعددة ومتباينة.

كما أن نقل ثقافة شركة ناشئة موجهة للعملاء المميزين إلى تطبيق جماهيري مشفر، شديد الحساسية تجاه الخصوصية، لن يكون مهمة سهلة.

خلفية تنظيمية معقدة

تأتي الخطوة في وقت تحاول فيه الهند تقليل التركّز في سوق (UPI)، كانت السلطات قد وضعت حدًا مستهدفًا لحصة أي تطبيق واحد عند 30% من معاملات الشبكة، لكنها أجّلت تطبيق القاعدة إلى نهاية 2026، في قرار منح (PhonePe) و(Google Pay) مزيدًا من الوقت، وسمح في المقابل للاعبين الأصغر بمحاولة التوسع، غير أن رغبة المنظمين في كسر هيمنة وول مارت وألفابت لا تعني بالضرورة منح ميتا طريقًا مفتوحًا، فالشركة الأميركية واجهت لسنوات تحديات في الهند مرتبطة بتخزين البيانات والخصوصية ومشاركة المعلومات، وهي قضايا رصدتها وول ستريت جورنال في سياق تعثر طموحات واتساب باي.

ولذلك تبدو بنية الصفقة محسوبة بعناية، وهي أن تحصل ميتا على حصة أقلية، ولا مقعد لها في مجلس إدارة (CRED)، ولا حق وصول إلى بيانات العملاء، وفق ما أعلنته الشركة الهندية، كما أن جزءًا من الصفقة قد يُدفع في صورة أرصدة إعلانية، ما يقلل من الحساسية المالية المباشرة، لكنه لا يلغي المخاوف من تأثير شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى على المنافسة.

واتساب يبحث عن نموذج أعمال

لم يعد واتساب مجرد تطبيق مراسلة داخل استراتيجية ميتا، خلال السنوات الأخيرة، دفع زوكربيرغ نحو تحويله إلى منصة أعمال، عبر الرسائل التجارية، وخدمات الدفع، وقنوات المؤسسات، وأخيرًا الإعلانات في تبويب (Updates) والاشتراكات المدفوعة للقنوات.

هذا الاتجاه ينسجم مع ما رصدته بزنس إنسايدر عن بدء ميتا مرحلة أكثر جدية في تحقيق الإيرادات من واتساب، مع الحفاظ على وعدها بعدم إدخال الإعلانات إلى المحادثات الخاصة.

كما سبق أن أشارت فايننشال تايمز إلى توسع واتساب في المدفوعات داخل المحادثات للشركات في الهند، في إطار محاولة ميتا الاستفادة من أكبر سوق للتطبيق.

صفقة ذكية أم مبالغ في هندستها؟

تحمل صفقة (CRED) منطقًا استراتيجيًا واضحًا، وهو أن تحصل ميتا على موطئ قدم مالي في شركة هندية صاعدة، وتستقطب مؤسسًا ذا خبرة في المدفوعات، وتمنح واتساب فرصة جديدة لإعادة بناء حضوره في سوق فشل في اختراقها رغم حجمه الهائل، لكن المخاطر لا تقل وضوحًا، فالصفقة قد تُقرأ تنظيميًا باعتبارها محاولة غير مباشرة لشراء منافس في سوق حساسة، كما أن نجاح (CRED) داخل شريحة عالية الدخل لا يضمن نجاح واتساب في تحويل المستخدمين الجماهيريين إلى عملاء مدفوعات وخدمات مالية.

ولا يراهن زوكربيرغ فقط على (CRED)، بل على أن واتساب يستطيع أخيرًا أن يصبح ما طالما أرادته ميتا «بوابة يومية للتجارة والمدفوعات، لا مجرد صندوق رسائل مشفر».