تقدمت دويتشه بورصة الألمانية بطلب للحصول على موافقة الاتحاد الأوروبي على استحواذها المقترح على منصة تداول وتوزيع الصناديق الاستثمارية Allfunds، في خطوة تضع أكبر صفقة في تاريخ مشغل البورصات الألماني تحت اختبار رقابي مزدوج في بروكسل. أظهر ملف مقدم إلى المفوضية الأوروبية أن دويتشه بورصة طلبت الموافقة على الصفقة، البالغة قيمتها 5.35 مليار يورو، بموجب قواعد الاتحاد الأوروبي الخاصة بالدعم الأجنبي، وهي قواعد صُممت لمنع الشركات من استخدام دعم حكومي من خارج التكتل لتمويل صفقات استحواذ أو عطاءات عامة بطريقة قد تخل بالمنافسة داخل السوق الأوروبية، وفق رويترز.
حددت المفوضية الأوروبية، بصفتها الجهة المسؤولة عن إنفاذ قواعد المنافسة في الاتحاد الأوروبي، يوم 27 يوليو تموز موعداً نهائياً لاتخاذ قرار أولي بشأن الملف.
وقد تكتفي المفوضية بالموافقة بعد المراجعة الأولية، أو تفتح تحقيقاً معمقاً إذا رأت مؤشرات على مخاوف جدية مرتبطة بالدعم الأجنبي أو أثر الصفقة على المنافسة.
اختبار جديد لقواعد الدعم الأجنبي
تأتي مراجعة الصفقة في إطار لائحة الدعم الأجنبي الأوروبية، التي بدأت بروكسل استخدامها لتوسيع نطاق الرقابة على عمليات الاندماج والاستحواذ، بحيث لا تقتصر على اختبارات المنافسة التقليدية، بل تشمل أيضاً فحص المساهمات المالية التي قد تكون الشركات حصلت عليها من حكومات خارج الاتحاد الأوروبي.
وتنطبق قواعد الإخطار على صفقات الاستحواذ الكبيرة عندما يتجاوز نشاط الشركة المستهدفة أو أحد أطراف الصفقة عتبات محددة داخل الاتحاد الأوروبي، ومع وجود مساهمات مالية أجنبية تتجاوز مستويات معينة خلال السنوات الثلاث السابقة.
وبالنسبة إلى دويتشه بورصة، لا يغني هذا المسار عن الحصول على موافقة منفصلة بموجب قواعد الاندماج الأوروبية، وهو ما يعني أن الصفقة ما زالت أمام أكثر من بوابة تنظيمية قبل اكتمالها.
صفقة توسع تتجاوز نشاط البورصات التقليدي
كانت دويتشه بورصة قد أعلنت في يناير كانون الثاني اتفاقاً للاستحواذ على أولفاندز المدرجة في أمستردام، في صفقة نقدية وسهمية تستهدف تعزيز حضورها في البنية التحتية لصناعة إدارة الثروات والصناديق الاستثمارية.
ويحصل مساهمو أولفاندز، بموجب العرض، على 8.80 يورو للسهم، تشمل 6 يورو نقداً و2.60 يورو في أسهم دويتشه بورصة، إضافة إلى توزيعات مسموح بها بقيمة 0.20 يورو للسهم.
ويمثل السعر علاوة بنحو 32.5% على سعر إغلاق سهم أولفاندز في 26 نوفمبر/تشرين الثاني، قبل يوم من دخول الشركتين في محادثات حصرية.
تتوقع دويتشه بورصة إتمام الصفقة في النصف الأول من عام 2027، شريطة الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة، كما حصلت الشركة على تعهدات غير قابلة للإلغاء من مساهمين رئيسيين في أولفاندز يمثلون نحو 48.9% من رأس المال المصدر، ما يمنح الصفقة قاعدة دعم أولية قوية، لكنه لا يلغي المخاطر التنظيمية.
لماذا تهم أولفاندز؟
تعد أولفاندز واحدة من أكبر منصات توزيع الصناديق الاستثمارية عالمياً، إذ تربط آلاف مديري الأصول والمؤسسات المالية عبر منصة رقمية تخدم البنوك الخاصة وشركات التأمين وصناديق التقاعد ومديري الثروات والمستشارين الماليين.
بلغت الأصول تحت الإدارة على منصتها 1.76 تريليون يورو في 2025، مع إيرادات صافية قدرها 622 مليون يورو وربح معدل بعد الضريبة بلغ 265 مليون يورو.
وتعكس هذه الأرقام جاذبية نموذج الأعمال القائم على البنية التحتية الرقمية لتوزيع الصناديق، في وقت تتجه فيه مؤسسات إدارة الثروات إلى الاستعانة بمنصات خارجية لتقليل التكاليف وتوسيع نطاق المنتجات.
بالنسبة إلى دويتشه بورصة، تمثل أولفاندز امتداداً طبيعياً لخدمات كليرستريم التابعة لها في ما بعد التداول وخدمات الصناديق، كما تمنحها موقعاً أوسع في سلسلة القيمة الخاصة بإدارة الاستثمار، من البيانات والبرمجيات إلى الحفظ والتسوية وتوزيع المنتجات.
استراتيجية استحواذ أوسع
لا تأتي الصفقة بمعزل عن تحول استراتيجي أوسع داخل دويتشه بورصة، التي تسعى منذ سنوات إلى تقليل اعتمادها على تقلبات أحجام التداول التقليدية، وزيادة وزن الإيرادات المتكررة من البيانات والتحليلات والبرمجيات وخدمات ما بعد التداول.
استحوذت الشركة في 2023 على شركة سيمكورب الدنماركية لبرمجيات إدارة الاستثمار في صفقة قيمتها 3.9 مليار يورو، ثم تحركت لاحقاً لتعزيز سيطرتها الكاملة على ISS STOXX، مزود المؤشرات والبيانات والتحليلات، عبر شراء الحصة المتبقية من جنرال أتلانتيك.
وتندرج أولفاندز ضمن المسار نفسه: بناء منصة أوروبية أوسع تخدم مديري الأصول وموزعي الصناديق والمستثمرين المؤسسيين.
غير أن هذا التوسع السريع يضع دويتشه بورصة أمام تدقيق متزايد من بروكسل، ليس فقط حول أثر الصفقة على المنافسة في خدمات الصناديق، بل أيضاً حول مصادر التمويل والمساهمات المالية العابرة للحدود بموجب نظام الدعم الأجنبي الجديد.
بروكسل تراقب صفقات البنية التحتية المالية
تعكس مراجعة الصفقة اتجاهاً أوروبياً أوسع نحو تشديد الرقابة على عمليات الاستحواذ الكبرى في القطاعات الحساسة، خصوصاً عندما تتعلق ببنية تحتية مالية أو رقمية يمكن أن تؤثر في تدفقات رأس المال والخدمات الاستثمارية داخل السوق الموحدة.
وفي حال وافقت المفوضية الأوروبية على الطلب دون فتح تحقيق معمق، ستحقق دويتشه بورصة خطوة مهمة نحو إتمام الصفقة، أما إذا قررت بروكسل التوسع في الفحص، فقد يؤدي ذلك إلى إطالة الجدول الزمني أو فرض شروط علاجية، خصوصاً إذا رأت المفوضية أن الصفقة قد تمنح المجموعة الألمانية نفوذاً كبيراً في سوق خدمات الصناديق الأوروبية.
وتبقى الرسالة الرئيسية من دويتشه بورصة واضحة، وهي أن المجموعة تريد تحويل صفقة أولفاندز إلى ركيزة جديدة في أعمالها خارج نشاط البورصات التقليدي، أما القرار الحاسم الأول، فسيصدر من بروكسل بحلول نهاية يوليو تموز المُقبل.