من صاحب القول الفصل في بريطانيا؟.. الناخبون أم سوق السندات؟

من صاحب القول الفصل في بريطانيا؟.. الناخبون أم سوق السندات؟ (أ ف ب)
أصبح سوق السندات البريطانية أكثر عرضةً لعمليات البيع والشراء المرتبطة بالسياسات الحكومية
من صاحب القول الفصل في بريطانيا؟.. الناخبون أم سوق السندات؟ (أ ف ب)

عادةً ما يكون القادة مسؤولين أمام الناخبين والمشرعين وقادة العالم الآخرين، لكن رئيس الوزراء البريطاني المحتمل سيحتاج إلى كسب تأييد جهة مؤثرة أخرى: سوق السندات.

سبق أن رفض آندي بورنهام، رئيس بلدية مانشستر الكبرى السابق، والمرشح الأبرز لرئاسة وزراء بريطانيا، فكرة أن تتأثر قرارات الحكومة بآراء المستثمرين في ديونها المتضخمة، وفي سبتمبر أيلول صرّح لمجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية بأنه يريد أن تتجاوز بريطانيا «ارتهانها لأسواق السندات».

تعكس تصريحات بورنهام تصوراً متزايداً بأن مستثمري السندات، وليس المسؤولين المنتخبين، أصبحوا السلطة الفعلية في كيفية اتخاذ الحكومة قراراتها بشأن الضرائب والإنفاق.

عندما يرى المستثمرون أن السياسات مكلفة للغاية، فإنهم يعاقبون الحكومة بالتخلص من السندات لأن الاحتفاظ بالدين يصبح محفوفاً بالمخاطر، وعندما يتم التخلص من سند ما، ترتفع الفائدة التي يتعين على الحكومة دفعها للمستثمرين الجدد على تلك السندات نفسها، وهذا بدوره يزيد أعباء الحكومة.

تراجع بورنهام

خفف بورنهام من حدة موقفه، مصرّحاً لقناة ITV News الشهر الماضي، بأنه يسعى لخفض الدين العام، وقال للقناة: «لم أقل قط أنه يمكن تجاهل أسواق السندات».

وتحظى فكرة تجاهل الحكومات لمستثمري السندات بتأييد شعبي، لكنها وفقاً للمحللين غير واقعية.

قال جوناس غولترمان، كبير الاقتصاديين في كابيتال إيكونوميكس، خلال مكالمة إحاطة للمحللين، يوم الاثنين: «إذا كنت مديناً بثلاثة تريليونات جنيه إسترليني، فأنت مسؤول أمام المقرضين بدرجة أو بأخرى».

وأضاف غولترمان لشبكة CNN: «تصريحات بورنهام الأولية تبدو جيدة عندما تكون عمدة مانشستر وتسعى لمنصب قيادي، لكن عندما تصبح رئيساً للوزراء، فإن لكلماتك وزناً أكبر»، وأضاف: «أعتقد أنه أدرك ذلك، ولهذا السبب غيّر موقفه، إنها حقيقة واقعة، فسوق السندات هو ما يحد من قدرة الحكومة على الإنفاق، أكثر من القواعد المالية».

لا تزال بريطانيا تتذكر جيداً كارثة عام 2022، عندما تسببت رئيسة الوزراء آنذاك، ليز تروس، في موجة بيع جماعي للسندات بعد طرحها خططاً لتخفيضات ضريبية ضخمة غير ممولة، وأجبرت التداعيات في الأسواق المالية الحكومة على التراجع بشكل مخزٍ، ثم استقالة تروس بعد 49 يوماً فقط من توليها المنصب.

وفي عام 2024 أشارت حكومة حزب العمال برئاسة كير ستارمر إلى أنها ستلتزم بحدود صارمة فرضتها على نفسها للإنفاق والاقتراض، إلى جانب الزيادات الضريبية التدريجية، لم يترك هذا الإطار مجالاً يُذكر لمبادرات سياسية كبيرة تتطلب إنفاقاً حقيقياً.

قال دان كوتسوورث، رئيس قسم الأسواق في منصة الاستثمار «إيه جيه بيل»: «مستثمرو السندات أقوى بكثير مما تتصورون»، وأضاف لشبكة CNN: «عندما نشهد تقلبات حادة مفاجئة في عوائد السندات (صعوداً)، على الحكومة أن تغير سياساتها بسرعة، إما أن تتراجع أو أن توقف ما تقوم به مؤقتاً وتترك السوق يستقر».

عبء الدين

تعاني المملكة المتحدة، كغيرها من الاقتصادات الكبرى، ديوناً هائلة تبلغ 2.98 تريليون جنيه إسترليني (4 تريليونات دولار أميركي) تراكمت عبر سلسلة من الأزمات، بما في ذلك الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة كوفيد-19، وأزمة الطاقة التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

يُعادل عبء الدين البريطاني 95% من اقتصادها، وهي نسبة أقل من فرنسا والولايات المتحدة، حيث تبلغ أعباء الديون 116% و100% من اقتصاد البلدين على التوالي، إلا أن معدل الفائدة الذي تدفعه بريطانيا على سنداتها لأجل 10 سنوات أعلى من نظيراتها الفرنسية والأميركية.

بلغت مدفوعات فوائد الدين البريطاني 110 مليارات جنيه إسترليني (145 مليار دولار) في السنة المالية الماضية، وهو مبلغ يفوق ما قدرته الحكومة لإنفاقها الدفاعي خلال الفترة نفسها.

وقد ارتفعت تكاليف الاقتراض بشكل حاد هذا العام، ففي مارس آذار، تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات 4.9%، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2008، لكن عوائد سندات دول أخرى ارتفعت أيضاً، في ظل تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

ويؤدي ارتفاع التضخم إلى ارتفاع عوائد السندات، وغالباً ما يتخلص المستثمرون من سنداتهم وينتظرون شراء سندات جديدة بعوائد أعلى.

ويرى أندرو غودوين، كبير الاقتصاديين البريطانيين في مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، أن بريطانيا أكثر عرضة لصدمات الطاقة العالمية من بعض نظيراتها، نظراً لمكانتها مستورداً رئيسياً للغاز الطبيعي وأهمية هذا الوقود في تحديد أسعار الكهرباء.

القلق من بورنهام

قد تصبح السياسة الاقتصادية البريطانية مصدر قلق أكبر لسوق السندات في ظل تولي بورنهام زمام الأمور، حيث أعلن رغبته في إخضاع بعض الخدمات الأساسية لسيطرة عامة أكبر.

وتشير تقديرات وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية البريطانية إلى أن تكلفة تأميم قطاع المياه وحده ستبلغ 100 مليار جنيه إسترليني (132 مليار دولار).

ويبقى أن نرى كيف ستتوافق هذه الخطط الطموحة مع وعد بورنهام بالانضباط المالي، وسيراقب المستثمرون من كثب من سيختار بورنهام خلفاً لراشيل ريفز في منصب وزير المالية، وهي خطوة متوقعة على نطاق واسع، وفقاً لما ذكره محللون لشبكة CNN.

وسيبدأ بورنهام فترته في الحكم في وقتٍ يشهد فيه التفاعل بين السياسة وسوق السندات قوة أكبر مقارنة بالعقد الماضي حين كانت عوائد السندات البريطانية أقل، كما صرح غولترمان من كابيتال إيكونوميكس، مشيراً إلى أنه منذ أزمة تراس عام 2022، أصبح سوق السندات البريطانية أكثر عرضةً لعمليات البيع «المدفوعة سياسياً».

(آنا كوبان، CNN)