اضطر المستثمرون في الأسواق المالية العالمية إلى تناول «حبوب دوار الحركة» هذا العام؛ حيث اصطدمت الاضطرابات العنيفة الناجمة عن الحرب الإيرانية بطفرة تبدو غير قابلة للكبح في كل ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذه الحرب تسببت في هبوط حاد أفقد الأسواق نحو 9 تريليونات دولار في مارس الماضي –عندما قفز النفط إلى 120 دولاراً للبرميل وتبددت آمال خفض
أسعار الفائدة– فإن الأسهم العالمية نجحت في تعويض خسائرها، لتنهي النصف الأول من العام وهي أعلى بمقدار 7 تريليونات دولار مقارنة بنهاية عام 2025.
وعقّب تشارلي روبرتسون، كبير المستشارين الاقتصاديين في «إكويتي بنك»، على هذا الأداء المذهل قائلاً إن الأمر المثير للدهشة ليس ما حدث، بل ما لم يحدث، موضحاً: «لقد تعرضنا لواحدة من أعظم الصدمات الجيوسياسية التي يمكن تخيلها، ومع ذلك، لم تنجح في تقويض الأسواق العالمية».
وتُرجمت هذه المرونة في قفزة لمؤشر «أم إس سي آي» للأسهم العالمية بنسبة تقارب 10% في النصف الأول، مسجلاً أفضل أداء للربع الثاني منذ عام 2020، وإن كان هذا الصعود قد شحب أمام الرالي القياسي والتاريخي الذي سجلته أسهم كوريا الجنوبية.
أزمة الين الياباني تفرض مخاطر استراتيجية.. والدولار يثبت صدارته
في أسواق الصرف، هيمنت أزمة الين الياباني على المشهد بعد أن هبطت العملة اليابانية إلى أدنى مستوياتها في 40 عاماً، على الرغم من إنفاق طوكيو المفرط لنحو 11.7 تريليون ين (نحو 72.25 مليار دولار) في محاولات مستميتة لدعم العملة.
وفي حين حلق مؤشر «نيكي» الياباني عالياً بامتياز محققاً قفزة قاربت 40%، حذر مايكل ميتكالف، رئيس استراتيجية الماكرو العالمية في «ستيت ستريت»، من أن مصير الين بات يشكل نقطة خطر عالمية حرجة، وقال: «الأمر يتعلق بالطلب الياباني على أدوات الدخل الثابت؛ فإذا تسببت أزمة الين في رفع أسعار الفائدة اليابانية، قد تتدفق الأموال عائبة إلى الداخل، ما يطلق موجات بيع حادة في بقية الأسواق العالمية».
في المقابل، جاء الارتفاع الأوسع للدولار الأميركي بنسبة 3% ليؤكد أن الحديث المتكرر عن أفول نجم العملة الخضراء كان سابقاً لأوانه، وأن وصف محللي «بنك أوف أميركا» هذا الصعود بأنه بغرض «الاستئجار لا التملك» في الوقت الراهن.
وجاءت هذه التحركات في بيئة دولية عاصفة منذ اليوم الأول للعام، شهدت أحداثاً دراماتيكية بدءاً من إلقاء الولايات المتحدة القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وصولاً إلى مطالب الرئيس دونالد ترامب المثيرة للجدل للسيطرة على جزيرة غرينلاند وإطلاقه تهديدات جمركية أحادية طالت الجميع.
تقلبات السندات السيادية.. والسندات الفنزويلية «الأفضل أداءً» في العالم
على صعيد الملاذات الآمنة، شهد شهر يناير أكبر قفزة شهرية لأسعار الذهب منذ أواخر الأزمة المالية العالمية، لكن المعدن الأصفر دخل في مسار تراجعي حاد مؤخراً؛ حيث هبط بنسبة تتجاوز 12% خلال يونيو، متجهاً لتسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر 2008، وأكبر تراجع ربع سنوي منذ 2013، بعد أن كان قد تضاعف قيمته منذ مطلع العام الماضي.
وفي مفاجأة سوقية مدوية، حلقت السندات الفنزويلية –التي لم تدفع كاراكاس أي مستحقات عليها منذ تسع سنوات– لتسجل قفزة بنسبة 55% منذ احتجاز واشنطن لمادورو، لتصبح السندات الأفضل أداءً على مستوى العالم.
وفي أسواق الدين السيادية الرئيسية، أنهت السندات النصف الأول بتحركات أكثر اعتدالاً؛ حيث ارتفعت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات في الولايات المتحدة وبريطانيا بنحو 24 نقطة أساس، في حين استقرت العوائد الألمانية، وقفزت العوائد اليابانية بنحو 50 نقطة أساس.
ومع ذلك، لم تخلُ هذه الأسواق من التذبذب الحاد؛ إذ قفزت تكاليف الاقتراض البريطانية إلى أعلى مستوياتها في عقود جراء المخاوف المالية، وسجلت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً أعلى مستوياتها منذ 2007، في حين بلغت العوائد اليابانية قماً قياسية غير مسبوقة.
تحذيرات من «ذروة الذكاء الاصطناعي»
وقد حظيت أسهم التكنولوجيا بدعم ناري من قطاع
الذكاء الاصطناعي، ليقفز مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 14%، في حين تقدم مؤشر «ناسداك» بنسبة 20%، مدفوعاً بترحيبه بانضمام شركة «سبيس إكس» التابعة لإيلون ماسك إلى صفوفه بتقييم ناهز تريليوني دولار قبل أسابيع.
لكن هذا الصعود شهد مفارقة غريبة؛ حيث جاء أداء كل شركة من شركات التكنولوجيا السبع الكبرى دون مستوى الأداء العام لمؤشر العالمي، بالتزامن مع تحذير بنك التسويات الدولية من أن أي مخاوف بشأن العوائد الاستثمارية الحقيقية للذكاء الاصطناعي قد تفجر صراعاً حاداً واضطرابات كبرى في الأسواق.
وتتأهب الأسواق لنصف ثانٍ لا يقل إثارة وخطورة؛ إذ تترقب الأسواق البريطانية بحذر رئيس الوزراء الجديد، ويستمر تذبذب الين، في حين يتبنى رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الجديد، كيفن وورش، نبرة متشددة إزاء السياسة النقدية، تزامناً مع استعداد دونالد ترامب لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر.
وأعرب روبرتسون، محلل «إكويتي بنك»، عن قلقه من أن يمثل سيل الاكتتابات العامة (IPOs) المرتقبة مؤشراً على الوصول إلى «ذروة الذكاء الاصطناعي» قبل نهاية العام، في حين لخص باتريك دوبونت-ليوت، العضو المنتدب لأسواق رأس مال الدين في «ستاندرد تشارترد»، المشهد العام بوجود «نبرة خفية من المخاطر»، مؤكداً: «لا أحد منا يملك بلورة سحرية، لكننا نعلم يقيناً أن ترامب لم يتوقف عن مفاجأتنا منذ عودته إلى البيت الأبيض».
(رويترز)