بريق العملات المشفرة يخفت.. ومستقبل سعر البتكوين في أيادي الفائدة

في وقتٍ تتجه فيه أنظار المستثمرين العالميين نحو الذكاء الاصطناعي وأسهم النمو، تبدو العملات المشفرة وكأنها فقدت جزءاً من بريقها الذي هيمن على الأسواق خلال السنوات الأخيرة، لتدخل مرحلة جديدة تتسم بارتفاع التقلبات وتراجع شهية المستثمرين، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل أكبر عملة رقمية في العالم، في ظل تراجع أسعار البتكوين لمستوى 58,864.27 دولار.

وتعاني أسواق العملات المشفرة هذا العام تذبذبات عنيفة وضغوطاً بيعية مستمرة نتيجة تزايد زخم وحمى الطروحات الأولية الكبرى المرتقبة في قطاعات تكنولوجية أخرى، والتخوف المستمر من قيام شركات إدارة أصول الخزانة الرقمية بتسييل حيازاتها الضخمة من البيتكوين.

ويرى إيلان سولوت، استراتيجي أول الأسواق في شركة «ماركس سلوشنز» Marex Solutions، أن التراجع الأخير في أسعار البيتكوين لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة مجموعة من المتغيرات التي أعادت رسم خريطة تدفقات الاستثمار العالمية.

ويقول سولوت في مقابلة مع CNN الاقتصادية إن جزءاً كبيراً من رؤوس الأموال انتقل خلال الأشهر الأخيرة من العملات المشفرة إلى قطاعات أخرى، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي وأسهم التكنولوجيا، وهو ما سحب جانباً مهماً من السيولة التي كانت تدعم البيتكوين والأصول الرقمية.

تحول غير متوقع في استراتيجية سايلور

ويضيف سولوت أن أحد أكبر التطورات التي فاجأت الأسواق تمثل في التغير الذي طرأ على سياسة شركة ستراتيجي، المعروفة سابقاً باسم مايكروستراتيجي، بقيادة مايكل سايلور، فبعد سنوات من اعتبار الشركة أكبر مشتري مؤسسي للبيتكوين، أعلنت أنها قد تبيع جزءاً من حيازاتها إذا اقتضت الحاجة إلى الوفاء بالتزاماتها تجاه المساهمين وحملة الديون القابلة للتحويل».

ويرى الاستراتيجي أول الأسواق في شركة «ماركس سلوشنز» أن هذه الخطوة شكّلت صدمة حقيقية للأسواق لأن وجود مشترٍ دائم بحجم ستراتيجي كان يمثل أحد أهم مصادر الدعم النفسي والفعلي لسوق البيتكوين، بينما تحولها إلى بائع محتمل يضيف ضغوطاً جديدة على الأسعار.

الفيدرالي يعيد تشكيل السوق

ولا تقتصر الضغوط على العوامل الخاصة بسوق العملات المشفرة، إذ لعبت توقعات السياسة النقدية دوراً محورياً في أداء البيتكوين خلال الأشهر الماضية، إذ يشير سولوت إلى أن توقعات رفع أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنوك المركزية الأخرى كانت عاملاً سلبياً بالنسبة للبيتكوين والذهب معاً، لكن هذه الصورة بدأت تتغير مع تراجع أسعار الطاقة وانخفاض المخاوف التضخمية، وهو ما قد يمنح البنوك المركزية مساحة أكبر للانتقال تدريجياً نحو التيسير النقدي، وتاريخياً كان التحول نحو خفض أسعار الفائدة يمثل بيئة داعمة للأصول ذات المعروض المحدود مثل الذهب والبيتكوين.

هل تصبح 50 ألف دولار خط الدفاع الرئيسي للبتكوين؟

يرى سولوت أن هبوط البيتكوين إلى أقل من 50 ألف دولار سيكون أمراً صعباً، حيث إن هذا المستوى يمثل تاريخياً منطقة شراء قوية، إذ شهدت العملة الرقمية خلال دوراتها السابقة تراجعات حادة تجاوزت في بعض الأحيان 50% قبل أن تعود للصعود مجدداً.

ويضيف سولوت أن من المستحيل تحديد المستوى الذي سيبدأ عنده كبار المستثمرين أو «حيتان البيتكوين» بالشراء، لكن مستوى 50 ألف دولار يظل رقماً نفسياً مهماً قد يوفر دعماً قوياً للأسعار.

النصف الثاني من العام.. تقلبات أولا ثم تعافٍ محتمل

ويتوقع سولوت أن يظل البيتكوين شديد التقلب خلال بداية النصف الثاني من العام، مع ميل نحو الانخفاض في المدى القصير، لكن مع مرور الوقت، يرجّح أن تحصل العملة المشفرة على دعم إضافي إذا بدأت البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بالإشارة إلى التيسير النقدي، حيث لا تزال الأسواق تقلل احتمالات هذا التحول، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام موجة صعود جديدة للأصول الرقمية إذا تغيرت توقعات المستثمرين.

خفّضت مجموعة «سيتي غروب» المصرفية توقعاتها لأسعار عملتي «بيتكوين» و«إيثر» للاثني عشر شهراً المقبلة؛ مؤكدة أن تراجع شهية المستثمرين وتحول تدفقات صناديق المؤشرات المتداولة إلى النطاق السالب، فضلاً عن غياب التقدم الملموس في التشريعات الأميركية الخاصة بالأصول الرقمية، كلّها عوامل ألقت بظلال قاتمة على آفاق أكبر عملتين مشفرتين في العالم.

وأوضحت المذكرة البحثية الصادرة عن البنك، خفض السعر المستهدف لعملة «بيتكوين» إلى 82,000 دولار بدلاً من التوقع السابق البالغ 112,000 دولار، بالتوازي مع تقليص التوقعات المستهدفة لعملة «إيثر» لتصل إلى 2,240 دولاراً مقارنة بـ3,175 دولاراً في التقديرات السابقة.

2027 يحمل تحدياً مختلفاً

على الرغم من التفاؤل النسبي بشأن الأشهر المقبلة، فقد يبدو سولوت أكثر حذراً تجاه عام 2027، حيث يقول إن أحد أكبر المخاطر التي تواجه البيتكوين يتمثل في التطور السريع للحوسبة الكمية، التي قد تشكل تهديداً لبعض أنظمة التشفير المستخدمة في الشبكة، فمواجهة هذا التحدي تتطلب تعديلات جوهرية في بروتوكول البيتكوين، وهي عملية معقدة سياسياً وتقنيا، لأنها تحتاج إلى توافق واسع بين المطورين والمعدنين وأصحاب المصالح.

ويتوقع سولوت أن يسيطر هذا الملف على النقاشات داخل مجتمع البيتكوين خلال عام 2027، وأن يتسبب في مستويات مرتفعة من التقلبات.