بعد أكثر من عامين من التفاؤل المتواصل، بدأ المحللون للمرة الأولى منذ أواخر عام 2023 في خفض توقعاتهم لأسعار الذهب، في تحول يعكس تغيراً في البيئة الاقتصادية والمالية التي دفعت المعدن الأصفر إلى تسجيل مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية. وأظهر استطلاع أجرته رويترز شمل 29 محللاً ومتداولاً أن متوسط التوقعات لسعر الذهب خلال عام 2026 انخفض إلى 4509 دولارات للأوقية مقارنة مع 4916 دولاراً في الاستطلاع السابق، كما خُفضت توقعات عام 2027 إلى 4610 دولارات مقابل 5100 دولار سابقاً، بعد تراجع الأسعار بنحو 22% من ذروتها القياسية المسجلة في يناير الماضي.
لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة انتهاء السوق الصاعدة للذهب، بل يشير إلى أن العوامل المحركة للأسعار أصبحت أكثر تعقيداً، مع تراجع تأثير بعض المحفزات التقليدية واستمرار أخرى.
أولاً: قوة الدولار
ارتبط الذهب تاريخياً بعلاقة عكسية مع الدولار الأميركي، إذ يؤدي ارتفاع العملة الأميركية إلى زيادة
تكلفة شراء الذهب على المستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، وهو ما يضغط عادة على الطلب العالمي.
ورغم أن الذهب تلقى دعماً مؤقتاً في نهاية يوليو مع تراجع الدولار عقب بيانات تضخم أميركية أضعف من المتوقع، فإن أي عودة مستدامة لقوة الدولار قد تعيد الضغوط على المعدن النفيس خلال الأشهر المقبلة.
فما الذي يجب مراقبته؟
خلال الفترة المقبلة، وفي ظل الأحداث الجيوساسية المتسارعة في الشرق الأوسط، يجب مراقبة مؤشر الدولار (DXY)، بيانات التضخم الأميركية، وتوقعات السياسة النقدية للفيدرالي.
ثانياً: عوائد السندات
لا يحقق الذهب عائداً دورياً مثل السندات أو الودائع، ولذلك ترتبط جاذبيته بدرجة كبيرة بمستوى العوائد الحقيقية (العائد على السندات بعد خصم التضخم).
ومع بقاء عوائد سندات الخزانة الأميركية عند مستويات مرتفعة، أصبح المستثمرون يجدون بديلاً أكثر جاذبية من الذهب، خاصة إذا استمرت البنوك المركزية في الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول لمواجهة الضغوط التضخمية.
وهذا يفسر جانباً من تراجع شهية المستثمرين للمعدن الأصفر مقارنة بما كانت عليه خلال ذروة موجة الصعود.
ثالثاً: الحاجة إلى الملاذ الآمن
كان الذهب خلال السنوات الماضية المستفيد الأكبر من التوترات الجيوسياسية والمخاوف الاقتصادية، لكن مع تحسن شهية المستثمرين للمخاطرة وعودة الزخم إلى أسواق الأسهم، خاصة أسهم التكنولوجيا الأميركية، بدأ جزء من الأموال يغادر
الملاذات الآمنة متجهاً نحو الأصول الأعلى مخاطرة.
ورغم استمرار المخاطر الجيوسياسية، فإن الأسواق باتت أكثر حساسية لنتائج الشركات والبيانات الاقتصادية مقارنة بردود الفعل التي شهدتها خلال ذروة التوترات في بداية العام.
رابعاً: طلب البنوك المركزية
ورغم خفض توقعات الأسعار، فإن هناك عاملاً رئيسياً يمنع الحديث عن انهيار الذهب، يتمثل في استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية.
فوفقاً لمجلس الذهب العالمي، تتوقع 89% من البنوك المركزية زيادة احتياطيات الذهب العالمية خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، بينما تعتزم نسبة قياسية تبلغ 45% زيادة حيازاتها من الذهب.
كما أظهرت البيانات استمرار المشتريات الرسمية خلال مايو، بقيادة بولندا والصين، مع صافي مشتريات بلغ 41 طناً، وهو ما يعكس استمرار النظرة الاستراتيجية للذهب باعتباره أداة لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار.
وهذا يعني أن المستثمر الفرد لم يعد المحرك الوحيد للأسعار، بل أصبحت البنوك المركزية لاعباً رئيسياً يوفر دعماً هيكلياً للسوق.
خامساً: صناديق الذهب
إلى جانب مشتريات البنوك المركزية، أصبحت تدفقات صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب مؤشراً مهماً على اتجاه السوق.
وسجلت هذه الصناديق خلال الربع الثاني من العام صافي تدفقات خارجة بنحو 45 طناً، ما يعكس تراجعاً في شهية المستثمرين الماليين، حتى مع استمرار الطلب الرسمي على المعدن.
وتشير هذه المفارقة إلى أن السوق بات يعتمد بدرجة أكبر على الطلب المؤسسي طويل الأجل، في وقت تتراجع فيه استثمارات المضاربة قصيرة الأجل.
ماذا تقول بنوك الاستثمار العالمية؟
ورغم أن استطلاع رويترز أظهر تراجعاً في متوسط توقعات أسعار الذهب للمرة الأولى منذ أواخر عام 2023، فإن بيوت الاستثمار العالمية لا تزال منقسمة بشأن مستقبل المعدن الأصفر، فبينما خفضت معظم المؤسسات المالية توقعاتها على المدى القريب بفعل قوة الدولار وارتفاع العوائد الحقيقية، فإنها لم تتخل عن نظرتها الإيجابية للذهب على المدى الطويل، مدفوعة باستمرار مشتريات البنوك المركزية والمخاطر الجيوسياسية وارتفاع مستويات الدين العالمي.
ويعكس أحدث مسح أجرته رويترز لتوقعات المؤسسات المالية هذا الانقسام بوضوح؛ إذ خفض «بنك أوف أميركا» متوسط توقعه لسعر الذهب خلال عام 2026 إلى 4360 دولاراً للأوقية، لكنه أكد أن المعدن الأصفر لا يزال قادراً على بلوغ 5000 دولار بمجرد انتهاء دورة التشديد النقدي الأميركية.
وفي المقابل، توقع «جيه بي مورغان» 4545 دولاراً للأونصة في 2026، مشيراً إلى أن المخاطر قصيرة الأجل تميل إلى الجانب السلبي إذا استمرت أسعار الفائدة المرتفعة، لكنه أبقى على نظرته الإيجابية للذهب خلال عام 2027.
أما «غولدمان ساكس» فما زال يتوقع وصول الذهب إلى نحو 4900 دولار للأوقية بحلول نهاية 2026، بينما أبقى ANZ على واحدة من أكثر الرؤى تفاؤلاً في السوق، مع توقع بلوغ الذهب 5600 دولار خلال 2026 وتأجيل مستهدف 6000 دولار إلى منتصف 2027.
وتتراوح تقديرات مؤسسات أخرى مثل HSBC وMorgan Stanley وCommerzbank بين 4500 و4900 دولار للأوقية، بما يعكس تبايناً في تقييم تأثير السياسة النقدية الأميركية على الأسعار.
ويشير هذا التباين إلى أن الخلاف بين المؤسسات المالية لا يدور حول مكانة الذهب كأصل استراتيجي، بل حول توقيت استئناف موجة الصعود، فالعوامل التي ضغطت على الأسعار خلال الأشهر الأخيرة، وفي مقدمتها قوة الدولار وارتفاع العوائد الحقيقية، قد تستمر في فرض تقلبات على المدى القصير، إلا أن استمرار الطلب الرسمي من البنوك المركزية والمخاطر الاقتصادية العالمية يبقيان الباب مفتوحاً أمام عودة الذهب إلى مسار صاعد عندما تبدأ دورة التيسير النقدي العالمية.
هل انتهت موجة الذهب؟
يمكن أن نوجه السؤال بطريقة أدق وهو: هل تغيرت محركات الذهب؟.. الواقع أن المشهد الحالي لا يشير إلى نهاية الاتجاه الصاعد بقدر ما يعكس انتقال السوق إلى مرحلة أكثر حساسية لتحركات الدولار والعوائد الحقيقية وقرارات البنوك المركزية، كما أن الانقسام بين بيوت الاستثمار العالمية يؤكد أن الجدل لم يعد حول أهمية الذهب كملاذ آمن، وإنما حول توقيت عودته إلى تسجيل مستويات قياسية جديدة، وهو ما سيظل رهناً بمسار السياسة النقدية الأميركية وقوة الطلب الرسمي خلال الأشهر المقبلة.
ولا تزال هناك عوامل داعمة قوية، أبرزها استمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع مستويات الدين العالمي، والمخاطر الجيوسياسية، في مقابل عوامل ضاغطة تشمل قوة الدولار، وارتفاع العوائد الحقيقية، وتحسن شهية المستثمرين للأسهم.
وبعبارة أخرى، لم يعد الذهب يتحرك بدافع عامل واحد، بل أصبح رهينة توازن دقيق بين السياسة النقدية، واتجاه الدولار، والطلب الرسمي، وثقة المستثمرين في الاقتصاد العالمي.