تركيا ترفع سقف توقعات التضخم.. هل تعرقل صدمة الطاقة مسار خفض الأسعار؟

تركيا ترفع سقف توقعات التضخم.. هل تعرقل صدمة الطاقة مسار خفض الأسعار؟ (شترستوك)
تركيا ترفع سقف توقعات التضخم.. هل تعرقل صدمة الطاقة مسار خفض الأسعار؟
تركيا ترفع سقف توقعات التضخم.. هل تعرقل صدمة الطاقة مسار خفض الأسعار؟ (شترستوك)

رفع البنك المركزي التركي توقعاته لمعدل التضخم في نهاية عام 2026 إلى 28%، من 26% سابقاً، في تعديل يعكس الضغوط الجديدة على الاقتصاد، لكنه في الوقت نفسه أبقى على هدفه المرحلي للتضخم عند 24%، في إشارة إلى تمسكه بمسار خفض الأسعار رغم ارتفاع المخاطر.

كما حافظ البنك على توقعه المرحلي للتضخم عند 15% بنهاية 2027 و9% بنهاية 2028، مؤكداً أن السياسة النقدية ستظل مقيدة بالقدر اللازم لضمان استمرار مسار تراجع التضخم.

الطاقة تعيد الحسابات

ويكشف تفسير البنك المركزي للرفع أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد التركي حالياً؛ إذ أرجع تعديل توقعاته إلى ارتفاع افتراضاته بشأن أسعار الواردات المقومة بالليرة، خصوصاً الديزل والغاز الطبيعي وبعض السلع الأولية الأخرى.

وهنا تكمن أهمية التعديل؛ فتركيا اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، ما يجعل ارتفاع أسعار الطاقة والسلع العالمية ينتقل سريعاً إلى تكاليف الإنتاج والنقل، ثم إلى أسعار المستهلك.

وتشير دراسات حديثة لصندوق النقد الدولي إلى أن صدمات أسعار الوقود والغذاء يمكن أن تنتقل بصورة ملموسة إلى التضخم المحلي، خصوصاً عندما تكون هذه السلع ذات وزن كبير في سلة استهلاك الأسر.

التضخم لا يزال بعيداً عن السيطرة

ورغم تراجع التضخم السنوي بشكل طفيف في يوليو، فإنه لا يزال عند مستويات مرتفعة؛ إذ ارتفعت أسعار المستهلكين 1.78% على أساس شهري خلال الشهر، بينما تراجع التضخم السنوي إلى 31.75%.

وهذا يعني أن توقع البنك المركزي البالغ 28% بنهاية العام يتطلب استمرار تباطؤ التضخم خلال الأشهر المقبلة، في وقت بدأت فيه أسعار الطاقة والسلع العالمية تمثل خطراً إضافياً على هذا المسار.

لماذا لم يرفع البنك هدفه المرحلي؟

اللافت أن البنك المركزي رفع توقعه الفعلي للتضخم بنهاية 2026 من 26% إلى 28%، لكنه لم يغيّر هدفه المرحلي البالغ 24%.

وهذا يعكس فرقاً مهماً بين التوقع والهدف: التوقع يحاول تقدير أين يصل التضخم في ظل الظروف الحالية، بينما الهدف يمثل المستوى الذي تسعى السياسة النقدية إلى الوصول إليه.

وبالتالي، فإن رفع التوقع لا يعني بالضرورة تخلي البنك عن خطته لخفض التضخم، وإنما يشير إلى أن الطريق نحو تحقيقها أصبح أكثر صعوبة.

الفائدة.. السلاح الرئيسي

وتأتي هذه التوقعات بعد أن أبقى البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي عند 37%، للشهر الرابع على التوالي، في محاولة للموازنة بين مكافحة التضخم وعدم زيادة الضغوط على النشاط الاقتصادي.

ويؤكد محافظ البنك، فاتح قره خان، أن البنك سيحافظ على درجة التشدد النقدي المطلوبة بما يتوافق مع مسار خفض التضخم.

لكن استمرار التضخم عند أكثر من 30% يجعل أي خفض سريع للفائدة محفوفاً بالمخاطر، خصوصاً إذا أدت أسعار الطاقة إلى موجة جديدة من الضغوط التضخمية.

الاختبار الأصعب لليرة

وتزداد أهمية أسعار الطاقة بالنسبة لتركيا بسبب اعتمادها على الواردات، وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار النفط والغاز لا يضغط فقط على التضخم، بل يمكن أن يزيد أيضاً فاتورة الاستيراد والطلب على العملات الأجنبية، وهو ما قد يضع ضغوطاً إضافية على الليرة.

وهذه الحلقة تجعل مهمة البنك المركزي أكثر تعقيداً: خفض الفائدة قد يدعم النمو والائتمان، لكنه قد يزيد الضغوط على العملة والأسعار، بينما الإبقاء على الفائدة المرتفعة لفترة أطول يساعد في كبح التضخم، لكنه يضغط على النشاط الاقتصادي.

ماذا يعني ذلك للأسواق؟

بالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة الأهم من التقرير ليست مجرد رفع توقع التضخم إلى 28%،وإنما أن البنك المركزي لا يرى أن الظروف الحالية تسمح بالتخلي سريعاً عن السياسة النقدية المتشددة.

وبقاء أهداف التضخم عند 24% في 2026، ثم 15% في 2027 و9% في 2028، يعني أن البنك لا يزال يراهن على استمرار عملية خفض التضخم، لكنه أصبح مضطراً إلى التعامل مع صدمة خارجية جديدة تتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة والواردات.

تركيا لا تواجه مشكلة تضخم ناجمة عن الطلب المحلي فقط؛ بل أصبحت أسعار الطاقة والواردات عاملاً أكثر أهمية في تحديد مسار التضخم. ولذلك، فإن المعركة المقبلة للبنك المركزي ستكون بين الحفاظ على تشدد نقدي كافٍ لكبح الأسعار وتجنب إطالة فترة الفائدة المرتفعة بما يضر بالنمو والاستثمار.