تراجعت عوائد السندات العالمية، خلال تعاملات يوم الخميس، بعدما تدخلت وزارة الخزانة الأميركية لاحتواء موجة البيع الحادة في سوق الديون الحكومية، في خطوة هدأت مخاوف المستثمرين مؤقتاً ودعمت الأسهم، بينما تراجع الدولار إلى قرب أدنى مستوياته في شهرين ونصف الشهر. وأعلنت الخزانة الأميركية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، في محاولة لوقف الارتفاع الحاد في عوائد الديون، بعدما قفز عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً في وقت سابق من الأسبوع إلى أعلى مستوى منذ عام 2007. وتُعد هذه التحركات مهمة للأسواق العالمية، نظراً إلى أن سندات الخزانة الأميركية تمثل مرجعاً أساسياً لتسعير الاقتراض والاستثمارات في مختلف الاقتصادات.
تدخل الخزانة يهدئ موجة بيع السندات
تراجع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى 5.1869% خلال التعاملات الآسيوية، بعدما انخفض 9 نقاط أساس في الجلسة السابقة، بينما استقر عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات عند 4.6427% بعد تراجعه 5 نقاط أساس.
وجاء هذا التحسن بعدما أثارت القفزة في
عوائد السندات مخاوف بشأن ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي الأميركي، في وقت تتزايد فيه احتياجات التمويل نتيجة ضخامة الدين العام والعجز المالي.
وتعني عمليات إعادة الشراء أن الخزانة ستدخل السوق لشراء مزيد من السندات طويلة الأجل، ما يرفع الطلب عليها ويدعم أسعارها، وبالتالي يخفف الضغوط الصعودية على العوائد. ويأتي ذلك في وقت تجاوز فيه إجمالي الدين الحكومي الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى.
لكن محللين حذّروا من أن تأثير تدخل الخزانة قد يكون مؤقتاً، إذ تظل المشكلة الأساسية مرتبطة بحجم الإصدارات الحكومية المستقبلية وحاجة واشنطن المستمرة إلى الاقتراض لتمويل العجز.
ومن منظور المستثمرين، فإن هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة لأن استمرار ارتفاع المعروض من السندات قد يعيد الضغط على الأسعار والعوائد حتى بعد تدخل الخزانة، ما يجعل مسار السياسة المالية الأميركية عاملاً موازياً لقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي في تحديد اتجاه سوق الدخل الثابت.
موجة البيع تمتد إلى اليابان وأوروبا
لم تقتصر اضطرابات سوق السندات على الولايات المتحدة، إذ تراجعت عوائد السندات الحكومية اليابانية من أعلى مستوياتها في عدة عقود، وانخفض عائد السندات لأجل 40 عاماً بمقدار 9.5 نقطة أساس إلى 4.055%، بينما تراجع عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 3.995%.
وفي أوروبا، ارتفعت العقود الآجلة للسندات الألمانية والفرنسية، بما يشير إلى انخفاض العوائد، بعدما تعرضت أسواق الديون العالمية لموجة بيع قوية خلال الأسبوع.
وتشير هذه التحركات المتزامنة إلى أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية تجاه مستويات الدين الحكومي وتكاليف الاقتراض في الاقتصادات الكبرى، بدلاً من النظر إلى سوق الخزانة الأميركية باعتباره مشكلة منفصلة.
كما زادت عمليات الاقتراض المرتبطة بالاستثمارات الضخمة لشركات التكنولوجيا في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من الضغوط على أسواق الائتمان، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يعزّز مخاوف التضخم ويزيد تكلفة التمويل.
تراجع العوائد يدعم الأسهم ويضغط على الدولار
انعكست تهدئة سوق السندات سريعاً على الأصول الأخرى، إذ ارتفع مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان بنحو 2%، بينما صعد مؤشر «نيكاي» الياباني 1.4%.
كما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» بنحو 0.4%، وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 0.15%، في إشارة إلى تحسن شهية المخاطرة مع تراجع العوائد طويلة الأجل.
وفي المقابل، تراجع
الدولار إلى قرب أدنى مستوى له في شهرين ونصف الشهر أمام سلة من العملات عند 98.87، بينما استقر اليورو قرب أعلى مستوياته منذ 29 مايو عند 1.1672 دولار.
وتكمن أهمية العلاقة بين السندات والدولار في أن انخفاض العوائد الأميركية يقلل جاذبية الأصول المقومة بالدولار بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب، وهو ما قد يدعم العملات المنافسة ويمنح الذهب والأصول غير المدرة للعائد دفعة إضافية.
محضر الفيدرالي يحد من أثر تدخل الخزانة
ورغم تحسن سوق السندات، لا تزال السياسة النقدية الأميركية تمثل عاملاً مهماً في تحديد اتجاه العوائد. فقد أظهر محضر الاجتماع الأخير للاحتياطي الفيدرالي أن المخاوف بشأن التضخم ازدادت، مع استعداد عدد من المسؤولين لرفع أسعار الفائدة، بينما رأى كثيرون أن رفع تكاليف الاقتراض قد يكون ضرورياً إذا لم يتراجع التضخم نحو هدف البنك البالغ 2%.
وهذا يعني أن قدرة الخزانة على خفض العوائد ستكون محدودة إذا ظلت توقعات الفائدة مرتفعة، إذ إن عوائد السندات طويلة الأجل تعكس مزيجاً من توقعات التضخم والفائدة، إلى جانب علاوة المخاطر المرتبطة بالديون الحكومية.
وتتجه أنظار الأسواق الآن إلى كلمة رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش في ندوة «جاكسون هول» الأسبوع المقبل، بحثاً عن إشارات بشأن المسار المقبل للفائدة.
النفط يضيف ضغوطاً على التضخم
وفي أسواق السلع، ارتفع خام برنت بواقع 0.1% إلى 91.69 دولار للبرميل، بينما زاد الخام الأميركي 0.2% إلى 86 دولاراً.
وتظل أسعار النفط عاملاً مهماً في سوق السندات، لأن استمرار ارتفاعها قد يزيد التضخم ويحد من قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة. كما أظهرت بيانات تباطؤ حركة الشحن عبر مضيق هرمز، مع تجنب عدد كبير من ملاك السفن المرور بالممر المائي بسبب عدم وضوح ظروف إعادة فتحه، ما يبقي علاوة المخاطر الجيوسياسية ماثلة أمام أسواق الطاقة والأسواق المالية.