تُظهر أحدث قراءة لتقرير «مورغان ستانلي» وتقرير السياسة النقدية للبنك المركزي المصري للربع الثاني من 2026 أن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية، مع تحسن واضح في تدفقات النقد الأجنبي، وتراجع مخاطر التمويل الخارجي، وتباطؤ التضخم مقارنة بالتوقعات السابقة، فيما يظل الحذر قائماً بسبب التوترات الجيوسياسية وأسعار النفط.
يرى «مورغان ستانلي» أن التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط ما زالت تؤثر على احتياجات مصر من التمويل الخارجي، لكن التحويلات القياسية للمصريين بالخارج وافتراضات أسعار النفط الأقل قلّصت مخاطر التمويل الخارجي للسنة المالية 2026/2027.
ويتقاطع ذلك مع تقييم البنك المركزي المصري، الذي أشار إلى أن التطورات الاقتصادية الكلية الإيجابية الأخيرة، إلى جانب النتائج الأفضل من المتوقع للتضخم، سمحت له بخفض توقعاته الأساسية للتضخم على المدى القصير، مع الإبقاء على السياسة النقدية التقييدية لدعم مسار التضخم النزولي نحو مستهدفه خلال النصف الثاني من 2027.
وبالتالي، فإن الرسالة المشتركة بين التقريرين أصبحت أكثر إيجابية بشكل عام، أي أن الصدمات الخارجية لم تعد تنتقل إلى الاقتصاد المصري بالقوة نفسها التي كانت متوقعة في بداية الأزمة، بينما أصبحت مصادر النقد الأجنبي أكثر قدرة على امتصاص ارتفاع فاتورة الطاقة أو تقلبات الأسواق العالمية.
شهد التضخم مفاجآت هبوطية دفعت «مورغان ستانلي» إلى خفض توقعاته للتضخم في نهاية 2026 إلى نحو 12%، مع توقع أن يتباطأ التضخم إلى أقل من 13% بدءاً من أكتوبر/تشرين الأول، بما قد يفتح المجال أمام خفض أسعار الفائدة بنحو 200 نقطة أساس في الربع الرابع من 2026، مع الحفاظ على سعر فائدة حقيقي إيجابي يقارب 4%.
ومع ذلك، يظل السيناريو الأساسي للمؤسسة هو الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام، بسبب استمرار نهج البنك المركزي الحذر وبقاء جزء من علاوة المخاطر الإقليمية.
ويأتي ذلك في الوقت الذي سجّل فيه تقرير البنك المركزي ارتفاع التضخم العام إلى 14.6% خلال الربع الثاني من 2026، مقابل 13.5% في الربع السابق، مع ارتفاع أسعار الغذاء بصورة أساسية نتيجة عوامل موسمية وصدمات في جانب العرض.
لكن الصورة المستقبلية تبدو أكثر إيجابية، إذ تشير التقديرات الآنية للبنك المركزي إلى انكماش التضخم العام الشهري بنحو 0.5% في يوليو/تموز 2026، مدفوعاً بانخفاض أسعار السلع الغذائية، خصوصاً الدواجن والخضراوات.
كما يؤكد «مورغان ستانلي» أن انتقال أثر صدمة سعر الصرف في مارس/آذار 2026 إلى التضخم ظل محدوداً وظهر في فئات مختارة، قبل أن يتراجع خلال أبريل /نيسان ومايو/أيار، دون انتقال واسع إلى أسعار الغذاء أو سلة التضخم الأساسي.
يتفق التقريران على أن البنك المركزي المصري يتبنى موقفاً حذراً في الوقت الحالي، فقد أبقت لجنة السياسة النقدية، في اجتماعي مايو/أيار ويوليو /تموز2026، أسعار العائد الأساسية دون تغيير، مع الحفاظ على سياسة نقدية تقييدية لترسيخ توقعات التضخم ودعم تراجعه نحو المستهدف.
ويستهدف البنك المركزي التضخم عند 7% ± نقطتين مئويتين بنهاية 2026، و5% ± نقطتين مئويتين بنهاية 2028، مع استمرار التزامه باتخاذ الإجراءات اللازمة إذا استدعت التطورات تشديد السياسة النقدية بدرجة أكبر لضمان عودة التضخم إلى المستهدف.
وبحسب «مورغان ستانلي»، فإن استمرار انخفاض التضخم وتراجع المخاطر الجيوسياسية قد يزيد احتمالات خفض الفائدة في الربع الرابع من 2026، لكن السيناريو الأساسي لا يزال هو التثبيت حتى نهاية العام.
تظهر بيانات البنك المركزي أن الاقتصاد المصري واصل تسجيل أداء إيجابي، إذ تشير التقديرات الآنية إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 4.5% في الربع الثاني من 2026، بينما يُتوقع أن يبلغ متوسط النمو نحو 5.0% خلال السنة المالية 2025/2026.
كما سجّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 5.0% في الربع الأول من 2026، مقارنة بـ4.8% في الربع الأول من 2025.
وتحسن معدل البطالة إلى 6.0% في الربع الأول من 2026، مقابل 6.3% في الربع المناظر من 2025، بينما تباطأ نمو الأجور الحقيقية إلى 1.3% من 11.0% في الفترة نفسها.
كما يتوقع البنك المركزي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.9% في السنة المالية 2026/2027، مع توقع إغلاق فجوة الناتج تدريجياً بحلول منتصف 2027، وهو ما يعني استمرار محدودية الضغوط التضخمية الناتجة عن الطلب على المدى القصير.
قفزت التحويلات خلال السنة المالية 2026/2025 إلى نحو 46 مليار دولار، مدفوعة بمزيج من الزيادة المؤقتة المرتبطة بالتوترات الإقليمية بنحو 1.6 مليار دولار، وعودة التحويلات إلى مسارها الطبيعي بعد تحرير سوق الصرف في مارس 2024، والزيادة الهيكلية في أعداد المصريين العاملين بالخارج، وارتفاع تكاليف المعيشة بالدولار بصورة محدودة.
ويرى «مورغان ستانلي» أن الزيادة في التحويلات ليست مؤقتة بالكامل، ولذلك رفع توقعاته للتحويلات في السنة المالية 2027/2026 إلى نحو 43 مليار دولار، بما يعادل قرابة 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي السيناريو الأساسي للمؤسسة، يُتوقع أن تصل التحويلات إلى 43 مليار دولار في السنة المالية 2027/2026، مقارنة بـ36 مليار دولار في 2025/2024 ونحو 46 مليار دولار في 2026/2025.
تقدر احتياجات مصر من التمويل الخارجي في السنة المالية 2027/2026 بنحو 25 إلى 29 مليار دولار بحسب السيناريو، بينما تلعب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتحويلات والتمويل متعدد الأطراف الدور الرئيسي في تغطية هذه الاحتياجات.
في السيناريو الأول، الذي يفترض انخفاض أسعار النفط سريعاً وانحسار التوترات، يقدر «مورغان ستانلي» احتياجات التمويل الخارجي بنحو 25 مليار دولار، مقابل مصادر تمويل تبلغ نحو 24 مليار دولار باستثناء تدفقات المحافظ، ما ينتج عنه عجز أولي يقارب 1.4 مليار دولار.
لكن التمويل متعدد الأطراف المقرر بنحو 4 مليارات دولار يتجاوز هذه الفجوة ويترك فائضاً تمويلياً خارجياً يقارب 3 مليارات دولار.
وفي السيناريو الأساسي، يؤدي استمرار قوة التحويلات إلى إبقاء عجز الحساب الجاري عند مستوى متوسط، بينما يغطي التمويل متعدد الأطراف الجزء المتبقي من فجوة التمويل الخارجي بصورة واسعة.
لا تزال أسعار النفط أحد أهم العوامل التي تحدد وضع مصر الخارجي، باعتبارها مستورداً صافياً للطاقة، وقد بلغ متوسط سعر خام برنت نحو 96.7 دولار للبرميل خلال الربع الثاني من 2026، بزيادة 23.3% عن الربع السابق، قبل أن تتراجع الأسعار في يونيو ثم تعاود الارتفاع مع بداية يوليو/تموز بعد تجدد الأعمال العدائية.
وتشير التوقعات إلى احتمال تراجع أسعار النفط تدريجياً حتى 2027، رغم استمرار نطاق واسع من عدم اليقين.
لكن «مورغان ستانلي» يرى أن تعديلات سوق النفط، بما في ذلك زيادة الصادرات الأميركية وانخفاض الواردات الصينية ووجود خطوط أنابيب بديلة، ساعدت في الحد من تأثير اضطرابات الإمدادات عبر مضيق هرمز واحتواء الارتفاعات الحادة في أسعار النفط.
وفي السيناريو الأول، يفترض التقرير تراجع خام برنت إلى متوسط 65 دولاراً للبرميل خلال النصف الثاني من 2026 وإلى 60 دولاراً في 2027، ما يخفض عجز الحساب الجاري إلى 13 مليار دولار.
أما السيناريو الأساسي فيفترض متوسط سعر يبلغ 75 دولاراً للبرميل في النصف الثاني من 2026 والربع الأول من 2027، قبل انخفاضه نحو 70 دولاراً في النصف الثاني من 2027، وفي هذه الحالة يبلغ عجز الحساب الجاري نحو 14 مليار دولار.
وفي السيناريو الثالث، الذي يفترض استمرار الاضطرابات وارتفاع علاوة المخاطر النفطية، يتراوح النفط بين نحو 80 و100 دولار للبرميل، ويرتفع عجز الحساب الجاري إلى 17 مليار دولار.
تتراوح تقديرات «مورغان ستانلي» للاحتياطيات الدولية الإجمالية بنهاية السنة المالية 2026/2027 بين 52 و56 مليار دولار بحسب السيناريوهات، مع استبعاد تدفقات استثمارات المحافظ من تقديرات الاحتياطيات.
ويعكس ذلك قدرة أفضل على مواجهة الصدمات الخارجية، خصوصاً مع استمرار التحويلات والسياحة وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
كما أشار تقرير السياسة النقدية إلى ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى مستويات قوية، مع استمرار مرونة القطاع الخارجي رغم اتساع عجز الحساب الجاري، مدعوماً بتحويلات العاملين وفوائض الخدمات والاستثمار الأجنبي والتدفقات التمويلية.
يحافظ «مورغان ستانلي» على نظرة إيجابية تجاه الاستثمار الأجنبي المباشر، مع توقع صافي تدفقات يبلغ 15 مليار دولار في السيناريو الأول، و14 مليار دولار في السيناريو الأساسي، و13 مليار دولار في السيناريو الثالث.
ويعتمد السيناريو الأساسي على تنفيذ جزء من برنامج استثمارات الطاقة البالغ نحو 19 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، إلى جانب نحو مليار دولار من عائدات بيع الأصول.
ويشير ذلك إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن تساعد في تعويض ارتفاع العجز في قطاع الطاقة، خصوصاً إذا استمرت الإصلاحات وتنفيذ الاستثمارات المعلنة.
يرى «مورغان ستانلي» أن مرونة سعر الصرف ساعدت الاقتصاد المصري على التعامل مع فترة التقلبات بصورة أفضل من الحلقات السابقة، إذ دعمت ثقة المستثمرين وسمحت باستمرار تدفقات النقد الأجنبي رغم ارتفاع حالة عدم اليقين.
كما أسهم نظام الصرف الأكثر مرونة في تشجيع تحويل المزيد من إيرادات الدولار عبر القنوات الرسمية، وهو ما دعم الارتفاع المستمر في التحويلات.
وفي السيناريو الأكثر إيجابية، يرى «مورغان ستانلي» إمكانية عودة الدولار مقابل الجنيه إلى مستويات ما قبل الصراع عند 46-48 جنيهاً، بما يوفر مصدراً إضافياً للعائد بجانب العوائد المرتفعة على أدوات الدين.
بناءً على هذه الصورة، يحافظ «مورغان ستانلي» على توصيته بالشراء في أذون الخزانة المصرية لأجل 6 أشهر دون تحوط من مخاطر العملة، مع عائد صافي بعد الضرائب يقارب 22%، ويرى أن هذا العائد يعوض بدرجة كافية عن التقلب المتوقع في سعر الصرف.
كما يشير التقرير إلى أن مرونة سعر الصرف، وتحسن أسعار الفائدة الحقيقية، واستمرار تدفقات التحويلات والاستثمار، كلها عوامل تدعم جاذبية أدوات الدين المحلية.
وتظل تدفقات المحافظ الأجنبية أحد المخاطر، خصوصاً في حالة حدوث موجة عالمية من العزوف عن المخاطرة، لكن «مورغان ستانلي» يرى أن احتمال حدوث خروج فوضوي للأموال على المدى القريب لا يزال محدوداً، في ظل استمرار تدفقات الأسواق الناشئة وتحسن الأساسيات الاقتصادية لمصر.
تقرير البنك المركزي يؤكد أن استمرار الأوضاع النقدية التقييدية يساعد على إبقاء الضغوط التضخمية الناتجة عن الطلب محدودة على المدى القصير.
وفي الوقت نفسه، يرى «مورغان ستانلي» أن تراجع التضخم يمكن أن يسمح بخفض الفائدة في الربع الرابع إذا هدأت المخاطر الجيوسياسية. وبذلك، فإن التقريرين لا يتعارضان في الاتجاه العام: البنك المركزي يركز على تثبيت توقعات التضخم أولاً، بينما يرى «مورغان ستانلي» أن تحسن التضخم والقطاع الخارجي قد يوفر مساحة لتخفيف السياسة لاحقاً.
أبرز التحديثات الإيجابية هي أن التضخم جاء أقل من المتوقع، وأن انتقال صدمة سعر الصرف إلى الأسعار ظل محدوداً، وأن التحويلات وصلت إلى مستويات قياسية، بينما أثبت نظام سعر الصرف المرن قدرته على امتصاص الصدمات بصورة أفضل، كذلك أصبحت افتراضات أسعار النفط أقل تشدداً من السيناريوهات السابقة، ما خفف من تقديرات احتياجات التمويل الخارجي.
ومن جانب البنك المركزي، جاءت التطورات الاقتصادية الكلية الأخيرة أفضل من المتوقع، وهو ما دفعه إلى خفض توقعاته الأساسية للتضخم على المدى القصير، مع الإبقاء على السياسة النقدية التقييدية.
الزاوية الأقوى لقراءة التقريرين معاً ليست مجرد «انخفاض التضخم» أو «احتمال خفض الفائدة»، وإنما أن قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية أصبحت أقوى.
فالتحويلات القياسية، ومرونة سعر الصرف، واستمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي، وتحسن الاحتياطيات، وتراجع انتقال صدمات سعر الصرف إلى التضخم، إلى جانب تحسن توقعات أسعار النفط، كلها تقلل من احتمال تحول الصدمة الخارجية إلى أزمة تمويل واسعة.
وفي الوقت نفسه، فإن البنك المركزي لا يزال يتعامل بحذر، وهو ما يفسر تثبيت أسعار الفائدة حالياً، بينما يرى «مورغان ستانلي» أن استمرار الاتجاه الإيجابي للتضخم والتدفقات الخارجية قد يفتح الباب أمام خفض الفائدة في نهاية العام.
وعليه، فإن الرسالة الإيجابية المشتركة هي أن الاقتصاد المصري انتقل من التركيز على إدارة الصدمة إلى امتلاك مساحة أكبر لإدارتها، مع بقاء النفط، والتوترات الجيوسياسية، وخروج تدفقات المحافظ الأجنبية، أهم المخاطر التي يمكن أن تغير هذه الصورة.
تقدم قراءة التقريرين صورة أكثر تفاؤلاً للاقتصاد المصري مقارنة بفترة بداية الصدمة الإقليمية، فالتضخم يتحرك في اتجاه أفضل من المتوقع، والتحويلات أصبحت مصدراً قوياً ومستداماً للنقد الأجنبي، وسعر الصرف المرن يساعد على امتصاص الصدمات، بينما تظل الاحتياطيات وتدفقات الاستثمار والتمويل متعدد الأطراف عوامل دعم رئيسية.
وفي المقابل، لا يعني ذلك اختفاء المخاطر؛ إذ يظل ارتفاع أسعار النفط لفترة طويلة، وتجدد التوترات الجيوسياسية، وحدوث موجة قوية من خروج استثمارات المحافظ، أبرز التهديدات أمام هذا التحسن. لكن وفقاً للمعطيات الحالية، فإن قدرة مصر على التعامل مع هذه المخاطر تبدو أقوى مما كانت عليه في التوقعات السابقة.