يرصد محمد العريان أسبوعاً مضطرباً شهد تقلبات حادة في عوائد السندات وأسعار الذهب والنفط والبيتكوين، مع تصاعد المخاوف بشأن الديون الأميركية والسياسة النقدية والتوترات الجيوسياسية.
بالنسبة للمراقب العادي، عادةً ما تشير «أيام أغسطس الراكدة» إلى فترة هدوء في الأسواق المالية، تتسم بالعطلات وجدول خفيف للسياسات وأحجام تداول منخفضة، لكن الأسبوع الماضي لم يتوافق مع هذه التوقعات.
فعلى السطح، كان الأسبوع أشبه برحلة مليئة بالتقلبات في تطورات السياسات، أعادت الرسوم الجمركية الأميركية وعوائد السندات إلى دائرة الضوء، وأيقظت أسواق العملات المشفرة والذهب، وأبقت أسعار النفط تحت التركيز الحاد.
وأدى انهيار محادثات التجارة بين كندا والولايات المتحدة والرسوم الجمركية الأميركية البالغة 50% التي أعقبت ذلك، والتي دفعت كندا إلى التهديد بالرد، إلى تذكير واضح بأن الحمائية التجارية تحولت من أداة نادرة للسياسات إلى واقع هيكلي.
وفي الوقت نفسه، شهد سوق سندات الخزانة الأميركية، الذي يمثل منذ فترة طويلة الركيزة الأساسية للنظام المالي العالمي، تقلبات حادة، مع تعامل الأسواق مع قوى متنافسة تتمثل في ارتفاع الاقتراض العام والخاص الذي يدفع أسعار الفائدة إلى الأعلى، إلى جانب تدخل حكومي يحاول مواجهة ذلك.
وجرى كل ذلك في وقت ظلت فيه أسعار النفط مرتفعة بسبب تعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية لفترة طويلة، والاضطرابات التي طالت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وأصبح هذا المزيج وقوداً قوياً للأصول البديلة التي تمثل «مخازن للقيمة».
وارتفع الذهب مجدداً فوق 4600 دولار للأوقية، بينما قفزت عملة البيتكوين بنسبة 22% إلى 77,200 دولار في أسواق العملات المشفرة.
وفي الوقت نفسه، ظلت أسعار النفط في دائرة الضوء بقوة، وسط صراع هيكلي بين علاوة المخاطر الجيوسياسية الناجمة عن الشرق الأوسط من جهة، وتراجع الطلب الصيني، من بين عوامل أخرى، من جهة أخرى.
وأغلق خام برنت الأسبوع عند 94 دولاراً للبرميل، بينما بلغ خام غرب تكساس الوسيط 86 دولاراً.
وبالنسبة للمستثمرين، كان من المفترض أن تمثل معظم هذه التطورات رياحاً معاكسة كبيرة لحيازاتهم من الأسهم والسندات.
لكن تأثيراً منافساً ظل قائماً، خصوصاً بالنسبة إلى الأسهم، وكذلك بعض فروق عوائد سندات الشركات، وهو قوة الأرباح.
وفي الواقع، أبرز الأسبوع استمرار السباق بين وعود تحقيق أرباح أكبر بفضل الابتكارات التكنولوجية المعززة للإنتاجية من جهة، والرياح المعاكسة الناجمة عن احتياجات التمويل والقضايا المجتمعية التي لم تتم معالجتها من جهة أخرى.
لا يزال الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المؤسسات من الجيل التالي يبشران بإنتاجية أعلى وأرباح أكبر وتوسع في هوامش الربح.
لكن الانتقال من الوعد إلى تحقيق هذه النتائج بعيد كل البعد عن أن يكون سلساً.
فالإنفاق الرأسمالي الهائل المطلوب لتمويل هذه القفزة التكنولوجية يصطدم بعالم يتسم بارتفاع العجز الحكومي والدين.
علاوة على ذلك، بدأت القضايا المجتمعية التي لم تتم معالجتها، بدءاً من الضغوط على شبكات الطاقة ووصولاً إلى المخاوف بشأن فقدان الوظائف، تتسلل بصورة متزايدة إلى الخطاب السياسي.
في ظل هذا المزيج من المرونة على مستوى الاقتصاد الجزئي والتقلب على مستوى الاقتصاد الكلي، واصلت البيانات الاقتصادية الصادرة خلال الأسبوع رسم صورة للاختلافات بين الاقتصادات العالمية.
وظل سوق العمل الأميركي قوياً، إذ تراجعت طلبات إعانة البطالة الأولية الأسبوعية إلى 208 آلاف طلب، وهو مستوى أفضل من توقعات الإجماع والقراءة السابقة.
وأظهرت أرباح الشركات صورة متباينة لمرونة المستهلك الأميركي، وهو محرك رئيسي للنمو الأميركي والعالمي.
ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى الإشارات المتباينة الصادرة عن Lowe’s، التي كانت أكثر تشاؤماً، وتارغيت Target، التي كانت أكثر تفاؤلاً.
وبقدر ما كانت وول مارت بمثابة عامل فاصل بين الرؤيتين، فقد مالت بشكل طفيف نحو التقييم الأكثر تفاؤلاً.
لكن البيانات التي استحوذت، بشكل مفهوم، على أكبر قدر من الاهتمام كانت تجاوز الدين الوطني الأميركي حاجز 40 تريليون دولار.
وبالنسبة لمن يتابعون بيانات الاقتصاد الكلي عن كثب، لم يكن ذلك مفاجئاً إلى حد كبير، ومع ذلك قال العريان إنه فوجئ حتى هو بسرعة التغير في حجم الدين وعبء خدمته المرتبط به.
فقد تضاعف حجم الدين خلال عشر سنوات فقط، وارتفع بالفعل هذا العام عبء خدمة الدين بنسبة 15%، في وقت تستهلك فيه مدفوعات الفائدة بالفعل 20% من الإيرادات الضريبية.
جاء تجاوز الدين حاجز 40 تريليون دولار في الوقت الذي كانت فيه الأسواق تستوعب إعلان وزارة الخزانة الأميركية أنها ستضاعف عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.
وكان التأثير الفوري هو خفض عوائد السندات طويلة الأجل، وإن كان ذلك على حساب زيادة إصدار أذون الخزانة قصيرة الأجل.
لكن هذا الانخفاض لم يستمر، لأسباب مفهومة، إذ نُظر إلى الخطوة على نطاق واسع باعتبارها «ضمادة مؤقتة».
وبدا أن وزير الخزانة الأميركي بيسنت يدرك ذلك، إذ أعقب الإعلان بتصريحات أشار فيها إلى استعداده لاستخدام أدوات إضافية لاحتواء أسعار الفائدة، إلى جانب وجود توحيد مالي لم تتحدد تفاصيله بعد على الأفق.
وفي ظل كل ذلك، ليس من المفاجئ أن محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مرَّ إلى حد كبير دون أن يحظى بالاهتمام.
وربما كان ذلك مصدر ارتياح لأعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية الأكثر تشدداً، ومن بينهم الأعضاء الثلاثة الذين عارضوا القرار، إذ جاءت البيانات اللاحقة أكثر ميلاً إلى التيسير مما كانت تتوقعه تقديرات الإجماع.
ومع ذلك، لا يزال هناك انقسام كبير في وجهات النظر قبل اجتماع جاكسون هول المرتقب، وهو ما سيتناوله العريان لاحقاً.
في المملكة المتحدة، أدى تراجع مبيعات التجزئة بنسبة 0.5% واتساع العجز المالي الشهري بأكثر من المتوقع إلى تعزيز المخاوف بشأن سوق العمل البريطاني، ما زاد من تعقيد الاستعدادات الصعبة بالفعل لأول موازنة للحكومة الجديدة.
ورغم تسجيل إيرادات ضريبة دخل قياسية، بلغ احتياج الحكومة للاقتراض في يوليو 1.6 مليار جنيه إسترليني، وهو أسوأ من الفائض الصغير الذي توقعه مكتب مسؤولية الميزانية.
في أوروبا القارية، ألقت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد خطاباً مقنعاً أوضحت فيه لماذا يتعين على أوروبا تسريع إصلاحاتها الموجهة نحو النمو.
وأشارت إلى أن «الركائز الثلاث التي يعزز بعضها بعضاً» والتي دفعت النمو في الماضي قد ضعفت.
أما في آسيا، فظلت ديناميكيات التضخم في اليابان محوراً رئيسياً للاهتمام.
وأدى صدور قراءة أعلى من المتوقع إلى زيادة الضغوط على بنك اليابان في وقت تحتاج فيه استجابة السياسة النقدية إلى أن تكون أوسع نطاقاً وأكثر استدامة.
هناك سؤالان رئيسيان يهيمنان على أجندة الأيام المقبلة: رد وزارة الخزانة الأميركية على تقلبات عوائد السندات خلال الأسبوع الماضي، وخطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي وورش في جاكسون هول.
ومع ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل مجدداً بعد إعلان إعادة الشراء، ستحتاج وزارة الخزانة الأميركية إلى وضع آلية استجابة توازن بين أربعة خيارات رئيسية.
وهذه الخيارات ليست متعارضة بالضرورة، وسيخضع المزيج الناتج عنها لمراقبة دقيقة من جانب الاقتصاديين والمشاركين في الأسواق، التوسع في استخدام أدوات تدخل أعمق وأوسع نطاقاً، تقديم إصلاح مالي حقيقي مرتقب، وقبول أسعار الفائدة المرتفعة والمتزايدة، وتركيز السياسات على تخفيف تأثير ارتفاع الفائدة على القطاعات الأكثر حساسية لأسعار الفائدة من الاقتصاد والمجتمع.
في الوقت نفسه، سيكون الخطاب الأبرز بلا منازع خلال الأسبوع هو كلمة رئيس الاحتياطي الفيدرالي وورش في ندوة السياسة الاقتصادية التي ينظمها بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي في جاكسون هول بولاية وايومنغ.
وفي ظل خلفية جبال غراند تيتون، ستتركز كل الأنظار والأسماع وخوارزميات التداول على مدى استعداد رئيس الاحتياطي الفيدرالي لشرح «آلية استجابته»، وما إذا كان سيقدم إشارات بشأن الإصلاحات قصيرة وطويلة الأجل لعمليات الاحتياطي الفيدرالي.
ويشمل ذلك «النقاط» (Dots)، وتواتر اجتماعات لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية وطبيعتها والمؤتمرات الصحفية، إلى جانب قضايا أوسع تتعلق بالسياسة النقدية.
وحتى الآن، مال رئيس الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يراه العريان صحيحاً، إلى السماح للعديد من خطاباته وشهاداته السابقة بأن توضح آلية استجابته.
كما اختار الانتظار حتى ظهور نتائج فرق العمل الخمسة التي أنشأها في بداية ولايته.
لكن مراقبي الأسواق كانوا أقل صبراً.
ورغم أن جاكسون هول سيتصدر عناوين الأخبار، إلى جانب تصريحات مسؤولين آخرين بالبنوك المركزية حول العالم، فإن الأسبوع سيشهد أيضاً جدولاً مزدحماً من البيانات الاقتصادية.
الولايات المتحدة: تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، والدخل والإنفاق، والناتج المحلي الإجمالي، وثقة المستهلك من جامعة ميشيغان ومجلس المؤتمرات، ومسوح الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند وكانساس سيتي، وطلبات إعانة البطالة الأولية.
منطقة اليورو: ثقة المستهلك والثقة الصناعية.
ألمانيا: الناتج المحلي الإجمالي، ومسح مؤشر إيفو لمناخ الأعمال في ألمانيا IFO، وثقة المستهلك جي إف كيه GfK، وشروط التبادل التجاري، والبطالة.
فرنسا: تضخم أسعار المستهلكين وأسعار المنتجين، وثقة المستهلك، وبيانات الوظائف.
اليابان: تضخم أسعار المستهلكين وأسعار المنتجين، ومؤشرات سوق العمل.
المملكة المتحدة: تقارير اتحاد الصناعة البريطاني (CBI).
الأسواق الناشئة: البرازيل، الحساب الجاري؛ والصين، المسح الاقتصادي؛ والهند، الإنتاج الصناعي؛ والمكسيك، الناتج المحلي الإجمالي والنشاط الاقتصادي والتجارة والحساب الجاري والبيانات المالية.
وأخيراً، يستمر جدول إعلان أرباح الشركات، مع وجود عدد من الشركات الكبرى في قطاع التكنولوجيا.
وفوق كل شيء، سيتطلع المستثمرون إلى النتائج المرتقبة لشركة إنفيديا، التي تمثل نموذجاً بارزاً لازدهار الذكاء الاصطناعي، من أجل التحقق من الحماس الشديد تجاه القطاع.