استقرت أسعار النفط خلال تعاملات يوم الثلاثاء، بعدما تراجعت بأكثر من 2% في الجلسة السابقة، بينما واصل المستثمرون تقييم تداعيات العقوبات الأميركية الجديدة على إيران ومدى تأثيرها المحتمل في إمدادات الخام العالمية، وسط استمرار المخاطر المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز. وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 27 سنتًا، أو 0.3%، إلى 92.44 دولار للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط 37 سنتًا، أو 0.4%، إلى 85.38 دولار، وكان الخامان قد سجلا خسائر قوية في الجلسة السابقة، مع اتجاه المستثمرين لجني الأرباح بعد موجة صعود استمرت أسبوعين.
وتحاول الأسواق في الوقت الحالي الفصل بين التهديدات الجيوسياسية التي قد تؤثر في المعروض النفطي فعليًا، وبين الإجراءات السياسية والاقتصادية التي لا تؤدي بالضرورة إلى خروج كميات كبيرة من الخام من السوق، وهو ما يفسر محدودية رد فعل الأسعار على أحدث العقوبات الأميركية.
العقوبات تضغط على إيران دون صدمة فورية للمعروض
وسعت الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية على إيران، مع إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إجراءات تستهدف قطع ما وصفه بـ«شريان الحياة الاقتصادي» لطهران، بما في ذلك الضغط على الدول والشركات التي تتعامل معها.
لكن الأسواق لم تتعامل مع الخطوة باعتبارها صدمة فورية لإمدادات النفط، إذ تركز العقوبات بدرجة كبيرة على التجارة والتمويل، فيما لم تتضح بعد طبيعة وحجم الكميات الإيرانية التي قد تتأثر بشكل مباشر.
وتكمن أهمية ذلك بالنسبة للسوق في أن أسعار النفط لا تتحرك فقط وفق حجم الإنتاج، وإنما وفق توقعات المستثمرين بشأن الكميات التي ستصل فعلياً إلى المشترين، وبالتالي فإن تشديد العقوبات قد يرفع علاوة المخاطر تدريجياً إذا بدأ يحد من قدرة إيران على تصدير الخام أو يرفع تكلفة نقله وتأمينه.
في المقابل، فإن استمرار تدفق الإمدادات الإيرانية إلى الأسواق قد يحد من التأثير الصعودي للعقوبات، خصوصًا في ظل قدرة بعض المشترين على مواصلة التجارة مع طهران رغم الضغوط الأميركية.
هرمز.. العامل الأكثر حساسية للأسعار
ورغم التركيز على العقوبات، يبقى
مضيق هرمز أحد أبرز مصادر المخاطر التي يراقبها المتعاملون في سوق النفط.
وكان الممر الملاحي يمر عبره قبل اندلاع الحرب ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، ما يجعله نقطة اختناق رئيسية في تجارة الطاقة العالمية، وأي تعطيل فعلي لحركة الناقلات يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع سريع في أسعار الخام، حتى قبل حدوث نقص فعلي في الإمدادات.
وتزداد حساسية السوق مع استمرار التوترات المرتبطة بحركة السفن، فقد تعرضت ناقلة نفط لمقذوف مجهول بالقرب من الساحل العماني، في واقعة تعكس استمرار المخاطر الأمنية على حركة الشحن في المنطقة.
كما أعلنت إيران أسماء 45 ناقلة قالت إنها خالفت قواعدها لعبور المضيق، مهددة باتخاذ إجراءات ضدها، بما في ذلك مصادرة حمولاتها.
الاحتياطي الأميركي عند أدنى مستوى منذ عقود
ولا تقتصر مخاوف المستثمرين على الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، إذ تراقب الأسواق أيضًا قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع أي صدمة محتملة في المعروض.
وأظهرت بيانات وزارة الطاقة الأميركية انخفاض مخزونات النفط الخام في الاحتياطي البترولي الاستراتيجي بنحو 3.7 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي، إلى 289.7 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر 1982.
ويمثل الاحتياطي الاستراتيجي أحد أدوات واشنطن للتعامل مع اضطرابات سوق النفط، إذ يمكن استخدامه لتعويض جزء من النقص المفاجئ في الإمدادات أو تهدئة ارتفاع الأسعار.
ومن ثم فإن انخفاض المخزونات إلى مستويات تاريخية منخفضة يعني أن هامش المناورة أمام الإدارة الأميركية أصبح أضيق مقارنة بفترات سابقة، وهو عامل قد يكتسب أهمية أكبر إذا تزامن اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط مع ارتفاع الطلب العالمي.
جني الأرباح يخفف الضغوط على الأسعار
ورغم المخاطر الجيوسياسية، فإن تراجع أسعار النفط بأكثر من 2% في الجلسة السابقة يعكس أيضًا عوامل مرتبطة بحركة السوق نفسها.
فالعقود الآجلة للخام شهدت موجة صعود قوية على مدار الأسبوعين السابقين، ما دفع بعض المستثمرين إلى جني الأرباح بعد الارتفاعات الأخيرة، ويعني ذلك أن جزءًا من التراجع لا يرتبط بتغير جوهري في أساسيات السوق، وإنما بإعادة تموضع المتعاملين بعد الارتفاع السريع.
كما أن الأسواق أصبحت أكثر حساسية لطبيعة الرد الأميركي على إيران؛ فانتقال واشنطن نحو استخدام الأدوات الاقتصادية بدلًا من التصعيد العسكري المباشر خفف مؤقتًا مخاوف حدوث صدمة كبيرة في إمدادات الشرق الأوسط.
ماذا يعني ذلك لأسعار النفط؟
في المدى القصير تبدو أسعار النفط عالقة بين عاملين متعارضين: ضغوط جني الأرباح وتوقعات استمرار الإمدادات من جهة، والمخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط من جهة أخرى.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن اتجاه الأسعار لن يعتمد فقط على قرارات العقوبات الأميركية، وإنما على مدى تحولها إلى قيود فعلية على
صادرات النفط الإيرانية، إلى جانب تطورات حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وإذا استمرت العقوبات دون تأثير كبير على الكميات المعروضة، فقد تظل علاوة المخاطر محدودة، أما إذا تزامن تشديد العقوبات مع تعطّل الناقلات أو تراجع الصادرات الإيرانية، فقد تتحول المعادلة سريعًا لمصلحة ارتفاع الأسعار، خاصة مع انخفاض المخزونات الاستراتيجية الأميركية إلى مستويات متدنية.