إنفيديا تتحول إلى «بنك مركزي» للذكاء الاصطناعي.. من يموّل الطلب على رقائقها؟
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل ساعتين
آخر تعديل: قبل ساعة
مقر شركة إنفيديا (شترستوك)
مقر شركة إنفيديا (شترستوك)
تحاول شركة إنفيديا الأميركية الحفاظ على ريادتها في قطاع توريد الرقائق لتواكب طفرة الذكاء الاصطناعي، وأصبحت تساعد عملاءها في تأمين الأرض والكهرباء والديون اللازمة لشراء تلك المعالجات.
ومع انتقال الشركة من توريد الرقائق إلى دعم التمويل وضمان المشروعات، يبرز سؤال أكثر حساسية وهو هل يعكس الطلب على منتجاتها حاجة اقتصادية حقيقية، أم أن إنفيديا تستخدم ميزانيتها العمومية لصناعة جزء من هذا الطلب؟
نصف تريليون دولار.. لكن ليس من خزائن إنفيديا
أعلنت إنفيديا شراكات مع ست مؤسسات مالية، بينها بلاك روك وأبولو وغولدمان ساكس وكيه كيه آر وبلاكستون وبروكفيلد، لإنشاء منصات تمويل قابلة للتكرار تستهدف جمع أكثر من 500 مليار دولار لمراكز البيانات والطاقة والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفق رويترز وبيزنس إنسايدر.
وبحسب خبراء استطلعت رويترز آراءهم فإن الرقم لا يعني أن إنفيديا ستقرض نصف تريليون دولار من أموالها؛ فمعظم رأس المال سيأتي من البنوك وصناديق الائتمان والأسهم الخاصة، بينما توفر الشركة التصميمات التقنية، وربط العملاء بالممولين، وأحياناً استثماراً مباشراً أو ضماناً يقلص المخاطر التي يتحملها المقرضون.
هذا النموذج يحوّل إنفيديا إلى ما يشبه «محسّن ائتمان» لسوق الذكاء الاصطناعي، حيث إن وجودها يمنح البنوك ثقة أكبر في قيمة المعدات وفي إمكانية إعادة تأجير القدرة الحاسوبية إذا تعثر أحد العملاء.
ضمان بـ105 مليارات دولار
أوضح مثال على هذا الدور جاء من مشروع مركز بيانات في أوهايو، ستبنيه وتملكه «إس بي إنرجي» وتؤجره إلى أوبن إيه آي لمدة 20 عاماً.
وأعلنت إنفيديا استثمار 1.5 مليار دولار في المطور، إلى جانب ضمانات قد تصل إلى 105 مليارات دولار لتأمين التزامات المشروع، بحسب رويترز وإعلان الشركة.
ويرى جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لإنفيديا، أن الشركة تمتلك سيولة وقدرة مالية تسمحان لها بمساعدة عملاء سريعَي النمو لكنهم لا يزالون يحرقون النقد، كما يقول إن الاتفاق ليس تمويلاً دائرياً، لأن أوبن إيه آي ستدفع الإيجار مقابل قدرة حاسوبية تستخدمها فعلياً.
وتدعم إنفيديا مشروعاً سيشتري معداتها، بينما يعتمد سداد الالتزامات على إيرادات شركة تستفيد بدورها من استثمارات إنفيديا ومن رقائقها، وهو ما يجعل اقتصاد الصفقة يظل دائرياً جزئياً.
اقتصاد تُغذيه الرقاقة
وبحسب الخبراء تكمن حساسية النموذج في أن إنفيديا تجمع عدة أدوار في وقت واحد، وهم المورد، والمستثمر، والضامن، ومهندس البنية التحتية.
وأشارت فايننشال تايمز إلى أن الشركة تحول ميزانيتها العمومية الضخمة إلى خدمة مالية تمنح منظومتها ميزة يصعب على منافسي الرقائق تقليدها.
شريحة إنفيديا (شترستوك)
وتزداد المخاطر مع تركّز الإيرادات، فقد كشفت إنفيديا في تقريرها السنوي أن عميلاً مباشراً واحداً مثّل 22% من إيرادات السنة المالية 2026، وآخر 14%، فيما يأتي جانب كبير من الطلب غير المباشر من عدد محدود من شركات الحوسبة السحابية ومختبرات الذكاء الاصطناعي، بحسب إفصاحها لدى هيئة الأوراق المالية الأميركية.
ويحذّر الخبراء من أن تعثر شركة سحابية أو تأجيل مشروع ضخم قد يضرب إنفيديا عبر ثلاث قنوات متزامنة، وهي انخفاض مبيعات الرقائق، وتراجع قيمة استثماراتها، وتفعيل الضمانات.
شبح تمويل الموردين
يشبه هذا النموذج «تمويل الموردين» الذي استخدمته شركات معدات الاتصالات، مثل لوسنت ونورتل وسيسكو، في أواخر التسعينيات، فقد أقرض الموردون شركات الاتصالات كي تشتري معداتهم، ثم سجلوا المبيعات قبل أن يتضح أن كثيراً من العملاء لا يملكون تدفقات نقدية مستدامة. وعندما انهارت الطفرة، تعثرت القروض وتبخرت الطلبات.
ويرى الخبراء أن المقارنة ليست كاملة، حيث إن إنفيديا تحقق هوامش إجمالية تقارب 75%، ويتمتع كبار عملائها بتدفقات نقدية هائلة، كما أن البنوك ومديري الأصول يتحملون قسماً مهماً من التمويل، لكن الخطر ينتقل تدريجياً إلى شركات «السحابة الجديدة» ومشروعات طويلة الأجل تعتمد على عميل واحد وتكنولوجيا تتقادم سريعاً.
اختبار روبين يكشف الحقيقة
تتوقع بيانات مجموعة بورصات لندن (LSEG) التي نقلتها رويترز وصول إيرادات الربع الثاني إلى 92.18 مليار دولار، ثم 104.2 مليار في الربع التالي، مدعومة ببدء الانتقال إلى معالجات «فيرا روبين»، وسيكون الاختبار الحقيقي ليس حجم الطلبات وحده، بل مصدر أموالها.
ويقول خبراء أسواق المال إنه إذا ولّدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي إيرادات تكفي لسداد الإيجارات والديون، فستكون إنفيديا قد ابتكرت سوقاً تمويلية تسرّع بناء أصل إنتاجي جديد، أما إذا ظلت المشروعات معتمدة على ضمانات المورد وتدوير رأس المال بين المجموعة نفسها من الشركات، فقد تبدو الإيرادات قوية بينما تصبح جودة الطلب أضعف، وعندها لن تكون إنفيديا «البنك المركزي» للذكاء الاصطناعي بقدر ما ستكون المقرض الأخير لطفرة بَنَتها رقائقها.