بدأت شركة «شي إن» الصينية الأصل، التي تتخذ من سنغافورة مقراً لها، تداول أسهمها في بورصة هونغ كونغ الثلاثاء، في إدراج طال انتظاره أنهى سنوات من محاولات الوصول إلى أسواق المال العالمية، لكن البداية جاءت صعبة بعدما هبط السهم بنحو 10% في التعاملات المبكرة، في إشارة إلى حذر المستثمرين تجاه آفاق نمو الشركة وتقييمها.
وبدأ السهم التداول عند 48.56 دولار هونغ كونغي (6.19 دولار)، وهو سعر الطرح النهائي، قبل أن يتراجع إلى نحو 43.8 دولار هونغ كونغي (5.59 دولار)، في حين وصل لاحقاً إلى 46.62 دولار هونغ كونغي عند استراحة منتصف الجلسة، منخفضاً نحو 4% عن سعر الطرح، مع تداول 32.9 مليون سهم بقيمة بلغت 1.51 مليار دولار هونغ كونغي (192.6 مليون دولار).
ويضع الأداء الأولي للسهم اختباراً مبكراً أمام «شي إن»، التي جمعت نحو 1.7 مليار دولار من طرحها العام الأولي، عند تقييم يقارب 26.5 مليار دولار، وهو مستوى يقل بأكثر من 70% عن ذروة تقييم الشركة الخاصة البالغة قرابة 100 مليار دولار في 2022.
من 100 مليار إلى 26.5 مليار دولار
يمثل الفارق الهائل بين تقييم «شي إن» الحالي وذروة قيمتها السابقة أحد أهم المؤشرات التي يراقبها المستثمرون في أول أيام تداول السهم.
فالشركة التي بنت شهرتها على بيع الملابس بأسعار شديدة الانخفاض، مثل القمصان التي تبدأ من نحو 5 دولارات والفساتين بنحو 10 دولارات، تواجه حالياً بيئة تجارية مختلفة عن تلك التي ساعدتها على تحقيق نمو سريع خلال السنوات الماضية.
ويأتي الإدراج في وقت تراجعت فيه أرباح الشركة بشكل واضح، إذ انخفض صافي دخلها 39% خلال العام الماضي، كما تحولت إلى خسارة في الربع الأول من 2026، وأرجعت الشركة جزءاً من الضغوط إلى ارتفاع الرسوم الجمركية وتكاليف الخدمات اللوجستية في عدد من الأسواق الرئيسية.
كما أشارت الشركة إلى أن هامش أرباح التشغيل في النصف الأول من العام سيكون أقل قليلاً من مستواه في الربع الأول، مع استمرار تأثير الرسوم الجمركية والتعريفات وتكاليف الشحن، خصوصاً في أوروبا والشرق الأوسط.
نهاية ميزة الطرود الرخيصة
أحد أكبر التحديات أمام نموذج أعمال «شي إن» يأتي من تغير القواعد التجارية في الولايات المتحدة وأوروبا.
فقد أنهت الولايات المتحدة إعفاء «الحد الأدنى الجمركي» الذي كان يسمح بدخول شحنات التجارة الإلكترونية منخفضة القيمة، التي تقل قيمتها عن 800 دولار، دون الرسوم المعتادة، وكانت هذه الآلية عاملاً مهماً في دعم نموذج «شي إن» القائم على شحن كميات كبيرة من الطلبات الصغيرة مباشرة إلى المستهلكين.
وتبعت أوروبا الاتجاه نفسه بفرض رسوم على الطرود منخفضة القيمة، ما يرفع تكلفة نموذج يعتمد بصورة كبيرة على الأسعار المنخفضة والشحن المباشر.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية أمام المستثمرين: فكل زيادة في الرسوم أو تكلفة الشحن يمكن أن تضغط على هامش الربح، أو تجبر الشركة على رفع الأسعار، وهو ما قد يقلل من ميزتها التنافسية أمام المستهلك الذي اعتاد الحصول على منتجات بأسعار شديدة الانخفاض.
وترى لورين تان، مديرة أبحاث الأسهم في «مورنينغ ستار»، أن دخول أسواق جديدة يمكن أن يساعد في تعويض تباطؤ النمو في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن ضعف القدرة الشرائية في الأسواق النامية قد يحد من هذا الأثر إذا ظلت تكاليف التوصيل مرتفعة.
لماذا اختارت «شي إن» هونغ كونغ؟
يمثل إدراج «شي إن» في هونغ كونغ نهاية رحلة طويلة ومعقدة للوصول إلى البورصة.
فخلال السنوات الأربع الماضية، حاولت الشركة طرح أسهمها في نيويورك ثم لندن، لكنها واجهت عقبات تنظيمية وضغوطاً سياسية مرتبطة بسلسلة التوريد والعمالة والعلاقات بين الصين والغرب.
وكانت الشركة قد نقلت مقرها إلى سنغافورة عام 2021، وسعت إلى تقديم نفسها باعتبارها شركة عالمية، إلا أن محاولاتها للإدراج في الأسواق الغربية اصطدمت أيضاً بصعوبة الحصول على الموافقات الصينية.
ومع تحولها إلى هونغ كونغ، اتجه مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي سكاي شو إلى تعزيز علاقاته مع السلطات الصينية، كما تعهدت الشركة باستثمارات جديدة في الصين وأكدت دورها في الاقتصاد وسلاسل التوريد المحلية.
وساعد ذلك، وفقاً لما أوردته «رويترز»، في إقناع السلطات بأن «شي إن» لا تزال شركة ذات جذور صينية قوية، رغم وجود مقرها الرئيسي في سنغافورة.
273 مليون عميل.. لكن هل يكفي الحجم؟
رغم التحديات، لا تزال «شي إن» تمتلك قاعدة ضخمة من المستهلكين حول العالم.
وقالت الشركة خلال مراسم الإدراج إنها تعمل في نحو 160 سوقاً، وتخدم قرابة 273 مليون عميل نشط، مستندة إلى نموذج يعتمد على الإنتاج بكميات صغيرة، والقدرة على الاستجابة السريعة للطلب، واستخدام التكنولوجيا والبيانات لتحديد اتجاهات المستهلكين.
وتعتزم الشركة استخدام حصيلة الطرح لتعزيز التكنولوجيا، وبناء العلامة التجارية، ودعم توسعها العالمي، وهي مجالات تمثل محاولة لإعادة توجيه نموذج النمو بعيداً عن الاعتماد المفرط على ميزة السعر فقط.
لكن حجم قاعدة العملاء لا يعني بالضرورة استمرار معدلات النمو السابقة. فالشركة تحتاج إلى إثبات قدرتها على الحفاظ على الطلب مع ارتفاع تكلفة الشحن والرسوم، وفي الوقت نفسه حماية هوامش أرباحها في أسواقها الرئيسية.
المستثمرون يفضلون الذكاء الاصطناعي والروبوتات
ويعكس أداء السهم في يومه الأول أيضاً تغيراً أوسع في تفضيلات المستثمرين داخل الأسواق الصينية وهونغ كونغ.
فعلى الرغم من أن الطرح شهد تغطية بنحو 5.63 مرة من المستثمرين الأفراد و2.59 مرة من المستثمرين الدوليين، فإن محللين وصفوا الطلب بأنه أقل قوة مقارنة بصفقات بارزة أخرى في السوق.
وقال كريس ويستون، رئيس الأبحاث في «بيبرستون»، إن المستثمرين يبدون حالياً شهية أكبر لقطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والذاكرة، باعتبارها مجالات يرون فيها نمواً هيكلياً طويل الأجل، بينما لا تحظى شركات الأزياء السريعة بالمستوى نفسه من الحماس.
وتشير هذه المقارنة إلى تحدٍ مهم لـ«شي إن»: ليس عليها فقط إقناع المستثمرين بأن نموذجها قادر على النمو، وإنما أيضاً منافسة قطاعات أخرى تستحوذ حالياً على اهتمام أكبر في أسواق المال.
اختبار البورصة وشي إن
وبالنسبة للمستثمرين، لا يمثل إدراج «شي إن» مجرد انتقال الشركة من الملكية الخاصة إلى التداول العام، بل يوفر أول اختبار يومي لقيمة الشركة بعد سنوات من التقييمات المرتفعة.
فالسهم بدأ عند 48.56 دولار هونغ كونغي، لكنه هبط بنحو 10% في بداية التداول قبل أن يقلص جزءاً من خسائره، ما يعني أن السوق لم يمنح الشركة تلقائياً التقييم الذي كانت تطمح إليه.
وتزداد أهمية هذا الاختبار لأن الشركة تدخل السوق العامة في وقت تواجه فيه ثلاثة ضغوط متزامنة: ارتفاع تكاليف نموذجها التجاري، وتشدد الجهات التنظيمية في أسواقها الرئيسية، وتراجع شهية المستثمرين تجاه شركات الأزياء مقارنة بقطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
كما تواجه «شي إن» تحقيقات تنظيمية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن غرامات سابقة في فرنسا وإيطاليا مرتبطة بقضايا تتعلق بالممارسات التجارية والادعاءات البيئية.
وبالتالي، فإن نجاح الإدراج لن يقاس فقط بحجم الأموال التي جمعتها الشركة، وإنما بقدرتها خلال الأرباع المقبلة على استعادة نمو الأرباح، والحفاظ على قاعدة عملائها، وتعويض ارتفاع تكاليف التجارة العالمية دون فقدان الميزة السعرية التي صنعت نجاحها.
وتتحول «شي إن» بذلك من قصة نمو استثنائية في التجارة الإلكترونية إلى قصة استثمارية أكثر تعقيداً: شركة عالمية ضخمة وقاعدة عملاء هائلة، لكنها مطالبة الآن بإثبات أن نموذج «الأزياء الرخيصة والسريعة» يمكنه تحقيق أرباح مستدامة في عالم ترتفع فيه الرسوم الجمركية وتتغير قواعد التجارة وتتجه فيه أموال المستثمرين بقوة نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.