تراجعت أسعار الذهب في بداية تعاملات الثلاثاء، مع استمرار المستثمرين في تقييم تداعيات التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، بالتزامن مع ترقب بيانات سوق العمل الأميركية هذا الأسبوع، التي قد تلعب دوراً حاسماً في تحديد مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة. وهبط سعر الذهب الفوري بنحو 0.3% إلى 4,437.10 دولار للأونصة بحلول الساعة 02:35 بتوقيت غرينتش، بعدما سجل في الجلسة السابقة أدنى مستوى له منذ 19 أغسطس، بينما ارتفعت العقود الآجلة للذهب الأميركي بنحو 0.1% إلى 4,485.30 دولار.
وتأتي تحركات الذهب بعد موجة هبوط قوية في نهاية الأسبوع الماضي، إذ تراجع المعدن بأكثر من 3% يوم الجمعة، بعدما أثارت تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وورش مخاوف من استمرار تشدد السياسة النقدية إذا لم تتراجع الضغوط التضخمية بالسرعة المطلوبة.
الفائدة تعيد رسم اتجاه الذهب
ينصب اهتمام المستثمرين حالياً على سلسلة من البيانات الاقتصادية الأميركية، تشمل الوظائف الشاغرة، وتقرير «إيه دي بي» للوظائف في القطاع الخاص، ثم تقرير الوظائف غير الزراعية المقرر صدوره في نهاية الأسبوع.
وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة للذهب، لأن قوة سوق العمل قد تمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، بينما قد تؤدي مؤشرات الضعف إلى زيادة الرهانات على خفض الفائدة.
وبحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، تسعّر الأسواق حالياً احتمالاً يبلغ 66% لرفع الفائدة الأميركية في سبتمبر، وترتفع النسبة إلى 89% في ديسمبر.
ويمثل هذا تحولاً مهماً في
توقعات المستثمرين مقارنة بما كانت عليه الرهانات قبل فترة قصيرة، خصوصاً أن الأسواق كانت تراهن في وقت سابق على اتجاه أكثر ميلاً إلى التيسير النقدي.
والسبب في حساسية الذهب تجاه الفائدة أن المعدن لا يدر عائداً دورياً مثل السندات أو الودائع، وعندما ترتفع عوائد الأصول الآمنة، ترتفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، ما قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم نحو أدوات تدر عائداً.
لماذا لم تصعد أسعار الذهب مع تصاعد الحرب؟
عادة ما يستفيد الذهب من الأزمات الجيوسياسية باعتباره أحد أبرز الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون للتحوط من المخاطر.
لكن التطورات الحالية تقدم مثالاً على أن صعود الذهب ليس مضموناً لمجرد اندلاع أزمة عسكرية، فالتوترات في الشرق الأوسط تدعم الطلب على الملاذات الآمنة، لكنها في الوقت نفسه ترفع أسعار النفط، وهو ما قد يزيد الضغوط التضخمية ويعقد مهمة الاحتياطي الفيدرالي.
وقال محلل الأسواق في «آي جي» توني سيكامور إن الذهب يتعرض لضغوط من تصريحات وورش المتشددة في «جاكسون هول»، إلى جانب التوترات الجديدة في مضيق هرمز وما نتج عنها من ارتفاع أسعار النفط وزيادة توقعات التضخم.
وبالتالي، يجد الذهب نفسه أمام تأثيرين متعارضين: الحرب تدعم الطلب عليه كملاذ آمن، بينما ارتفاع النفط والتضخم والعوائد يضغط على جاذبيته.
وهذه المفارقة مهمة للمستثمرين؛ إذ إن استمرار التصعيد قد لا يعني بالضرورة ارتفاع الذهب إذا أدى في الوقت نفسه إلى تشديد التوقعات بشأن السياسة النقدية الأميركية.
الوظائف الأميركية.. الاختبار المقبل
من المنتظر أن تكون بيانات الوظائف محور اهتمام الأسواق خلال الأيام المقبلة، خصوصاً تقرير الوظائف غير الزراعية.
فإذا أظهرت البيانات أن سوق العمل لا يزال قوياً، فقد تتعزز التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي لن يكتفي بالإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، بل قد يدرس رفعها، ما قد يدعم الدولار وعوائد سندات الخزانة ويضغط على الذهب.
أما إذا جاءت البيانات أضعف من المتوقع، فقد تنخفض رهانات رفع الفائدة، ما قد يسمح للعوائد والدولار بالتراجع ويدعم المعدن الأصفر.
ولا تقتصر أهمية البيانات على قرار سبتمبر، إذ تراقب الأسواق المسار الكامل للفائدة خلال الأشهر المقبلة، وتشير الرهانات الحالية إلى أن المستثمرين لا يستبعدون استمرار التشدد النقدي حتى نهاية العام.