الأسواق تتوقع رفعاً أخيراً للفائدة الأوروبية.. هل تنتهي دورة التشديد النقدي؟

التضخم والحرب يضعان المركزي الأوروبي أمام معضلة صعبة (شترستوك)
الأسواق تتوقع رفع أخير للفائدة الأوروبية.. هل تنتهي دورة التشديد النقدي؟
التضخم والحرب يضعان المركزي الأوروبي أمام معضلة صعبة (شترستوك)

يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة ربع نقطة مئوية في اجتماعه يوم 10 سبتمبر/أيلول 2026، في ثاني وآخر زيادة متوقعة خلال العام، وفق استطلاع أجرته «رويترز» شمل 65 اقتصادياً، في خطوة ستجعل دورة التشديد النقدي الحالية الأقصر للمركزي الأوروبي منذ أكثر من 15 عاماً.

ويأتي الرفع المتوقع في وقت يتسارع فيه التضخم بمنطقة اليورو إلى مستويات أعلى بكثير من مستهدف البنك البالغ 2%، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد عوائد السندات العالمية بفعل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط. لكن معظم الاقتصاديين يرون أن صدمة الطاقة الحالية لن تتحول إلى موجة تضخم واسعة ومستدامة، ما يقلل الحاجة إلى مواصلة رفع الفائدة بعد سبتمبر/أيلول.

ومن المتوقع أن يرفع المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.50%، مقارنة بـ2.25% حالياً.

وكان البنك قد رفع الفائدة آخر مرة في يونيو/حزيران، بينما أبقى عليها دون تغيير في يوليو/تموز.

التضخم يدفع المركزي إلى رفع الفائدة

تسارع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.3% خلال أغسطس/آب، مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع تكاليف الطاقة، ما عزز مبررات رفع الفائدة في الاجتماع المقبل.

ورفع الاقتصاديون توقعاتهم للتضخم في منطقة اليورو لعام 2026 للمرة السادسة هذا العام، إلى 2.9%، في أكبر سلسلة من المراجعات الصعودية خلال عام منذ 2022، عندما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى موجة تضخم عالمية دفعت البنوك المركزية إلى إطلاق واحدة من أكثر دورات التشديد النقدي حدة خلال عقود.

كما رفع المشاركون في الاستطلاع توقعاتهم للتضخم خلال الربع الحالي إلى 3.2% من 3%، وللربع المقبل إلى 3.3% من 3.2%. ولا يتوقع الاقتصاديون عودة التضخم إلى مستهدف المركزي الأوروبي البالغ 2% قبل أواخر عام 2027، مع توقع استمرار الضغوط الأساسية على الأسعار خلال الفصول المقبلة.

ورغم ذلك، يرى الاقتصاديون أن ارتفاع الأسعار الحالي يرتبط بدرجة كبيرة بعوامل مرتبطة بالعرض والطاقة، وليس بزيادة واسعة ومستدامة في الطلب، وهو ما يجعل رفع الفائدة بشكل متواصل أكثر خطورة على اقتصاد لا يزال هشاً.

لماذا قد يتوقف المركزي الأوروبي؟

يرى معظم الاقتصاديين أن سعر الفائدة على الودائع سيستقر عند 2.50% حتى نهاية العام، كما يتوقع نحو 78% منهم بقاءه عند هذا المستوى حتى منتصف 2027.

ويعكس ذلك اعتقاداً بأن التضخم سيتجه تدريجياً نحو المستهدف خلال العام المقبل، ما يسمح للمركزي الأوروبي بالتوقف عن رفع الفائدة بدلاً من المخاطرة بإضعاف النمو لمعالجة صدمة تضخمية مصدرها ارتفاع أسعار الطاقة.

وقال كارستن برزيسكي، رئيس الاقتصاد الكلي العالمي في «آي إن جي»، إن من الصعب تصور استعداد المركزي الأوروبي لإضافة مزيد من الضغوط إلى اقتصاد يواجه بالفعل مشكلات في المالية العامة وارتفاعاً حاداً في عوائد السندات.

وتشير توقعات الاقتصاديين إلى نمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 0.8% خلال العام الحالي و1.2% في 2027، وهي معدلات محدودة نسبياً تجعل البنك أكثر حذراً في تشديد السياسة النقدية.

حرب إيران تمثل الخطر الأكبر

لكن السيناريو المتوقع بتوقف رفع الفائدة بعد سبتمبر/أيلول ليس مضموناً بالكامل، إذ تمثل الحرب في إيران الخطر الرئيسي على مسار التضخم والفائدة.

فاستمرار الصراع أو تصاعده قد يؤدي إلى بقاء أسعار الديزل والبنزين والغذاء عند مستويات مرتفعة، وهي أسعار يلمسها المستهلكون مباشرة، ما قد يرفع توقعاتهم للتضخم ويزيد احتمالات انتقال ارتفاع التكاليف إلى الأجور.

ويحذّر الاقتصاديون من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد يحول صدمة مؤقتة في جانب العرض إلى ضغوط تضخمية أكثر اتساعاً، خصوصاً إذا بدأت الشركات بتمرير تكاليفها المرتفعة إلى المستهلكين أو طالب العمال بزيادات أكبر في الأجور لتعويض تراجع القوة الشرائية.

وقال آلان دور، كبير الاقتصاديين لمنطقة أوروبا في «ناتيكسيس»، إن استمرار ضغوط أسعار الوقود والغذاء قد يؤدي إلى ارتفاع مجدد في توقعات التضخم قصيرة الأجل، مع احتمال انتقال الضغوط إلى الأجور.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية أكبر مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية عالمياً خلال الأسبوع الماضي، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف الاقتراض في أسواق الدين إلى تشديد الأوضاع المالية حتى من دون رفع إضافي للفائدة.

الأسواق تراهن على رفع ثالث

ورغم الإجماع الواسع بين الاقتصاديين على أن رفع سبتمبر/أيلول سيكون الأخير، فإن أسواق العقود الآجلة لأسعار الفائدة تسعر احتمال تنفيذ رفع ثالث، ما يعكس اختلافاً بين تقديرات الاقتصاديين وتسعير الأسواق لمخاطر التضخم.

وإذا هدأت أسعار الطاقة وانحسرت تداعيات الحرب، فقد يتمكن المركزي الأوروبي من التوقف عند مستوى 2.50% ومراقبة تأثير الزيادات السابقة على النشاط الاقتصادي والتضخم.

أما إذا استمرت الحرب أو اتسعت تداعياتها، فقد يجد البنك نفسه أمام معضلة أكثر صعوبة: السماح للتضخم بالبقاء أعلى من مستهدفه لفترة أطول، أو مواصلة التشديد النقدي رغم مخاطر إضعاف النمو.

وبالنسبة للمستثمرين، سيكون مسار أسعار الطاقة والتضخم الأساسي وتوقعات الأجور من أهم المؤشرات لتحديد ما إذا كان رفع سبتمبر/أيلول يمثل بالفعل نهاية دورة التشديد. كما أن استمرار ارتفاع عوائد السندات قد يزيد الضغط على تكاليف التمويل للحكومات والشركات في منطقة اليورو.

وإذا صحت توقعات الاقتصاديين، فسيكون المركزي الأوروبي أمام أقصر دورة لرفع الفائدة منذ عام 2011، عندما رفع أسعار الفائدة مرتين استجابة لارتفاع حاد في أسعار النفط، وهي خطوة يعتبرها عدد من صانعي السياسة خطأً في ظل طبيعة الصدمة التضخمية آنذاك.

(رويترز)

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة