يرى «جي بي مورغان» أن ارتفاع الين الياباني قد يخفف الضغوط الصعودية على عوائد السندات الحكومية، بما يفتح الطريق أمام تعافٍ أسرع لأسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات المدرجة في بورصة طوكيو، بعد تعرضها لضغوط خلال الفترة الأخيرة. وقال استراتيجيو «جي بي مورغان سيكيوريتيز اليابان»، ومن بينهم ري نيشهارا، إن تراجع الضغوط على عوائد السندات يمكن أن يدعم أيضاً أسهم العقارات، التي سجلت أداءً ضعيفاً مؤخراً، بينما تواجه قطاعات أخرى، مثل النقل والخدمات اللوجستية والسيارات، تأثيراً سلبياً محتملاً على الأرباح نتيجة ارتفاع قيمة العملة اليابانية.
وتأتي هذه الرؤية في وقت يشهد فيه الين تحولاً ملحوظاً بعد فترة طويلة من الضعف، مع تزايد توقعات الأسواق بشأن تشديد السياسة النقدية اليابانية، ما يعيد رسم خريطة القطاعات الرابحة والخاسرة في سوق الأسهم المحلية.
الين القوي يخفف ضغوط العوائد
واصل الين مكاسبه أمام الدولار، مقترباً من أعلى مستوياته في نحو 6 أشهر، في وقت تزايدت فيه توقعات المستثمرين بأن يرفع بنك اليابان أسعار الفائدة خلال سبتمبر، وصعدت العملة اليابانية بنحو 5% خلال الشهر الجاري، مدفوعة بتوقعات تشديد السياسة النقدية، واحتمالات إعادة المستثمرين اليابانيين أموالهم إلى السوق المحلية، إلى جانب الضغوط الأميركية لدعم العملة.
ويرى «جي بي مورغان» أن ارتفاع الين يمكن أن يخفف الضغوط التي دفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية إلى الارتفاع، وهو ما قد يحسن بيئة تقييم الأسهم التي تتأثر عادة بارتفاع العوائد وتكاليف التمويل.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتحرك فيه السياسة النقدية اليابانية تدريجياً بعيداً عن حقبة أسعار الفائدة شديدة الانخفاض، بينما تراقب الأسواق عن كثب الخطوة المقبلة لبنك اليابان.
وتشير توقعات السوق إلى ترجيح رفع الفائدة اليابانية، وهو ما أسهم في تعزيز جاذبية الين بعد سنوات من ضعف العملة أمام الدولار.
أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق في دائرة المستفيدين
تتمثل النقطة الأبرز في رؤية «جي بي مورغان» في أن قوة الين، التي قد تبدو سلبية لبعض الشركات اليابانية المصدرة، يمكن أن تصبح عاملاً داعماً لقطاعات التكنولوجيا.
ويرى البنك أن أسهم
الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات في طوكيو قد تستفيد من انخفاض الضغوط على عوائد السندات، خصوصاً أن ارتفاع العوائد يضغط عادة على تقييمات أسهم النمو التي تعتمد على توقعات أرباح مستقبلية بعيدة الأجل.
ويأتي ذلك في ظل استمرار تدفقات الاستثمار نحو الذكاء الاصطناعي وتوسعة قدرات إنتاج أشباه الموصلات في اليابان، وكانت «جي بي مورغان لإدارة الأصول» قد أشارت إلى أن الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي وتوسعة طاقات تصنيع الرقائق يمثلان أحد محركات الاستثمار في الاقتصاد الياباني.
كما يمكن لأسهم العقارات أن تستفيد من تراجع ضغوط العوائد، نظراً إلى حساسية القطاع لتكاليف الاقتراض والتمويل.
قوة الين تضغط على السيارات والنقل
في المقابل لا يتوقع «جي بي مورغان» أن تستفيد جميع قطاعات الأسهم اليابانية من ارتفاع العملة.
وتواجه شركات النقل والخدمات اللوجستية والسيارات مخاطر أكبر، إذ يمكن لقوة الين أن تقلص قيمة الإيرادات التي تحققها الشركات في الخارج عند تحويلها إلى العملة اليابانية، كما قد تؤثر في القدرة التنافسية السعرية للصادرات.
ويبرز قطاع السيارات بشكل خاص، نظراً إلى اعتماده الكبير على الأسواق الخارجية، ما يجعل أرباح الشركات أكثر حساسية لتحركات سعر الصرف.
وبذلك قد يؤدي ارتفاع الين إلى إعادة توزيع المكاسب داخل سوق الأسهم اليابانية، بدلاً من أن يكون تأثيره موحداً على السوق بأكمله.
الين يعيد رسم معادلة الاستثمار
تتزامن قوة الين مع تحول أوسع في تدفقات المستثمرين اليابانيين، فقد اشترى المستثمرون اليابانيون صافي 1.3 تريليون ين، ما يعادل نحو 8.45 مليار دولار، من الأسهم الأجنبية خلال أغسطس، في أكبر تدفق شهري منذ مارس، بينما خفضوا استثماراتهم في السندات الأجنبية.
ويشير ذلك إلى أن حركة رأس المال أصبحت عاملاً مهماً في تحديد اتجاه العملة والأسواق اليابانية، خصوصاً مع ارتفاع جاذبية الأصول المحلية وتغير توقعات السياسة النقدية.
وفي الوقت نفسه يمكن لصعود الين أن يؤثر في الأسواق العالمية عبر ما يعرف بتجارة الاقتراض بالين، التي تعتمد على الاقتراض بتكلفة منخفضة بالعملة اليابانية ثم استثمار الأموال في أصول ذات عوائد أعلى.
وبلغ حجم الاقتراض العابر للحدود بالين نحو 360 تريليون ين، أو 2.34 تريليون دولار، في مارس، وفق بيانات بنك التسويات الدولية، ما يوضح حجم المراكز التي يمكن أن تتأثر باستمرار ارتفاع العملة.
اختلاف في النظرة إلى تأثير الين على التكنولوجيا
ولا تتفق جميع المؤسسات الاستثمارية مع «جي بي مورغان» بشأن انعكاسات قوة الين على أسهم التكنولوجيا.
فبينما يرى «جي بي مورغان» أن انخفاض الضغوط على عوائد السندات يمكن أن يسرّع تعافي أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات اليابانية، حذرت «ساكسو ماركتس» من أن ارتفاع الين قد يؤدي إلى فك بعض المراكز الاستثمارية المزدحمة والممولة بالرافعة المالية، وهو ما قد يضيف تقلبات إلى أسهم التكنولوجيا العالمية.
ويرتبط ذلك باحتمال تقليص المستثمرين لمراكزهم في الأصول ذات المخاطر إذا ارتفعت تكلفة تمويلها بالين، خصوصاً مع استمرار التوقعات بأن يتجه بنك اليابان إلى مزيد من تشديد السياسة النقدية.
وبالتالي يرى «جي بي مورغان» أن مسار الين وعوائد السندات اليابانية سيكونان عاملين حاسمين في تحديد اتجاه أسهم التكنولوجيا المحلية خلال الفترة المقبلة؛ فإذا استقرت العوائد أو تراجعت مع استمرار قوة العملة، فقد تحصل أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق والعقارات على دفعة جديدة، بينما تواجه الشركات المصدرة في السيارات والنقل واللوجستيات ضغوطاً أكبر على الأرباح.